الهروب من النسيان، والبحث عن النسيان، حالتان من حالات الوجود الإنساني النفسية الكثيرة، المتشابكة. وفي المسافة الفاصلة بين الحالتين يلتقي العباد ويفترقون.
حين يقرر الزُهّاد والنُسّاك سحب أنفسهم من العالم البشري وهجره، بالانقطاع إلى العزلة، غالباً في صحارى مقفرة موحشة، فإنهم، في الحقيقة، يختارون طريق النسيان. نسيان ما تركوه وراءهم، وهجروه، بحثاً عن ملجأ آمن من قلق أرواحهم. وحين يصلون، أخيراً، إلى هدفهم، فإنهم يجعلون بينهم وبين بقية العالم البشري جداراً صلداً، غير ملتفتين بحسرة إلى ما تركوه من ملذات؛ حسية مؤقتة، لم تعد تشبع جوع أرواحهم إلى السلام، أو تثير شهيتها للطمأنينة، لعلمهم أنها زائلة.