الهروب من النسيان، والبحث عن النسيان، حالتان من حالات الوجود الإنساني النفسية الكثيرة، المتشابكة. وفي المسافة الفاصلة بين الحالتين يلتقي العباد ويفترقون.
حين يقرر الزُهّاد والنُسّاك سحب أنفسهم من العالم البشري وهجره، بالانقطاع إلى العزلة، غالباً في صحارى مقفرة موحشة، فإنهم، في الحقيقة، يختارون طريق النسيان. نسيان ما تركوه وراءهم، وهجروه، بحثاً عن ملجأ آمن من قلق أرواحهم. وحين يصلون، أخيراً، إلى هدفهم، فإنهم يجعلون بينهم وبين بقية العالم البشري جداراً صلداً، غير ملتفتين بحسرة إلى ما تركوه من ملذات؛ حسية مؤقتة، لم تعد تشبع جوع أرواحهم إلى السلام، أو تثير شهيتها للطمأنينة، لعلمهم أنها زائلة. وعلى عكس موقف الزُهّاد والنُسّاك، يصير النسيانُ ضالة المهاجر.
الفرق بين الهجرتين هو أن الأولى هجرة اختيارية لروح يائسة تبحث عن خلاص دائم يَعدُ بلذة دائمة، بموقف واضح بنسيان ما تركت. قد تجد تلك الروح الهائمة مبتغاها فترتاح وتهنأ، وقد لا تجده، وتظل منهمكة، طول العمر، بحثاً عنه، ضائعة في الفيافي والبلدان والقفار. أما الثانية، فإنها هجرة غير مختارة، واضطرارية، تحتّمها ظروف سياسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو دينية، أو عاطفية... وغيرها، وبموقف واضح بعدم النسيان. ولذلك، فإن المهاجر، بداية، لا يكفُّ عن التلفت إلى الوراء، تحسّراً، على ما فقد، وآملا بالعودة إليه، كسائر نحو مستقبل، برغبة العودة إلى ماضٍ.
على عكس موقف الزاهد المتسم بالثبات، يتغير، فيما بعد، موقف المهاجر من النسيان ليصير ضالته. ولتفسير ذلك، فإن المهاجر، في مرحلة متقدمة زمنياً من هجرته، يستنزفه الحنين، ويصبح بمثابة حاجز يحول بينه وبين الانغماس في توفير متطلبات حياة مهجرية، معقدة، وصعبة. وبالتالي، تضعف مقاومته بازدياد مرور الوقت. عندئذ، يصبح النسيان ضالته المنشودة. إنه، في سبيل التموضع بشكل متحرر من خيوط ماضيه بغرض التكيف مع متطلبات حياته المهجرية، يجد نفسه مضطراً لتجاهل عادة التلفت للوراء، والسعي لتذوق راحة النسيان. في هذه المرحلة المتقدمة، يجد المهاجر نفسه واقفاً على أرض واحدة مع الزاهد والناسك في موقفه من النسيان، لكن بغرضين مختلفين، وبهدفين متباعدين. المهاجر بهدف التكيّف مع تفاصيل أمور الدنيا التي وجد نفسه فيها، والزاهد بغرض تخليص روحه من كل أمر دنيوي.
المحبّون والعشاق يتموضعون من النسيان في موقف يتراوح بين الاثنين. فمنهم من يصل إلى مرحلة الزاهد والناسك، بتمكنهم من الفرار بأرواحهم من أوجاع ما لاقوا من عذاب، بغرض البحث عن مطهر «دانتوي»، يساعدهم على الخروج من جحيم لم يعودوا يطيقونه، ويشتهون التخلص منه، ولا يكون ذلك إلا بالإصرار على عدم التفكير فيه، ومحوه من ذاكرتهم، عبر النسيان. ومنهم من يقع في فخ المهاجر المضطر، فيسيحون في الدنيا بعيون مفتوحة على طريق مستقبلي يقود إلى ماضٍ تحنّ وترق وتهفو له نبضات قلوبهم. لذلك، تراهم ينأون عن كل ما من شأنه أن يبعدهم عن تذكره بما وبمن فيه، ويختارون خصومة النسيان. لكنهم، بعد فترة زمنية متقدمة، يقعون في فخ إشكالية المهاجر مع النسيان.
وبغرض التكيف مع حيواتهم الجديدة، وظروفهم الجديدة، يصير النسيان ضالتهم، يقصدونه ناشدين مساعدته في تخليصهم من شباك ما تركوا وراءهم من حب وعشق، لكي يتمكنوا من الاتساق والتوازن مع متطلبات حيواتهم، في ظروفها المتغيرة.
هناك فئة أخرى من البشر، لا ينشدون النسيان، ولم يفكروا، يوماً، في خصومته، أو الفرار من شباكه، لكنهم يجدون أنفسهم واقعين فيها، على غير اختيار منهم، ويصبح النسيان إعاقة لهم، تحول بينهم وبين مواصلة الخوض في مسارات واقعهم اليومي. ونقصد بذلك المتقدمين في العمر، الذين، بمرور السنين، يقعون ضحية لعوامل الزمن، ويتسرب الوهن إلى خلايا الذاكرة لديهم، فتختلط الأمور، والأزمان، في أذهانهم، ويفقدون قدراتهم على تذكر الماضي بحمولته، أو السير، بوضوح وتمييز، كما كانوا يفعلون، في إشكالات الزمن الحاضر.
ومن بين الفئات السابقة، ينحاز تعاطفي لأفراد الفئة الأخيرة، لسبب واضح؛ وهو أنني أقرب عمرياً إليهم. وأراني، يوماً بعد آخر، سائراً على الطريق نفسها التي ساروا فيها، بكامل علاماتها، ومنعطفاتها، مسكوناً بتردد من قُربِ دُنوِ نهايتها، وبخوف من مواجهة الخوض - حتماً وقريباً - في مستنقعاتها الموحلة، ولا مفر.
TT
في إشكالات الزمن الحاضر
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
