التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

علماء أميركيون أعدوا دراسة ترسم خريطة الجينات النشطة في أثناء تواصل الخلايا العصبية

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري
TT

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

تمكن فريق من الباحثين لأول مرة من تحديد مجموعة محددة من الجينات التي تنشط في أثناء التواصل اللحظي بين خلايا الدماغ، الأمر الذي يتيح فرصة غير مسبوقة لفهم الآليات الجزيئية التي تقف وراء الأفكار والمشاعر والسلوك البشري.

وتمثل هذه النتائج التي نُشرت في 19 فبراير (شباط) الماضي في دورية Molecular Psychiatryقفزة نوعية كبرى، فحتى وقت قريب كان العلماء الذين يدرسون وظائف الدماغ من منظور جيني يعتمدون بشكل أساسي على فحص الأنسجة بعد الوفاة. وهو ما يشبه النظر إلى دماغ صامت لمحاولة فهم كيفية عمله عندما يكون حياً. أما النهج الجديد الذي ابتكرته الفرق البحثية في كلية «إيكان للطب» في ماونت سايناي بنيويورك، فقد مكّن العلماء من مشاهدة هذه العملية وهي تجري في الزمن الحقيقي.

ويوضح قائد الدراسة الدكتور ألكسندر تشارني، أستاذ الطب النفسي وعلم الأعصاب والعلوم الجينية في كلية إيكان للطب نيويورك، أهمية هذا التحول قائلاً: «لعقود من الزمن كان فهمنا للتعبير الجيني في الدماغ البشري محصوراً في الدراسات التي تجرى على الأنسجة بعد الوفاة. أما هذا العمل فيتيح لنا الآن فحص البنية الجزيئية للتواصل العصبي وهو يحدث داخل أفراد أحياء، مما يقربنا خطوة كبيرة من ربط الجينات مباشرة بوظائف الدماغ في الوقت الفعلي».

جسر بين عالمين منفصلين

وركزت الدراسة على عملية «النقل العصبي» (Neurotransmission)، وهي تلك الإشارات الكهربائية والكيميائية التي تنتقل بين الخلايا العصبية، وتشكل الأساس لكل فكرة وذكرى وحركة يقوم بها الإنسان. ولالتقاط هذه العملية الدقيقة دمج الفريق البحثي بين تقنيتين متطورتين.

حلل الباحثون أنماط التعبير الجيني في منطقة «قشرة الفص الجبهي» Prefrontal Cortex لأكثر من مائة مريض كانوا يخضعون لعمليات جراحية عصبية. وبالتزامن مع ذلك جمعوا قياسات مباشرة للإشارات العصبية من أدمغة هؤلاء المرضى في أثناء وعيهم الكامل. ومن خلال دمج البيانات الجزيئية مع التسجيلات الفسيولوجية الحية تمكن الفريق من تحديد مجموعة متجانسة من الجينات يرتفع وينخفض نشاطها بتناغم مع انطلاق الإشارات العصبية.

ويؤكد الدكتور برايان كوبيل، مدير مركز التعديل العصبي في كلية إيكان للطب نيويورك والمشارك بالدراسة، الأهمية الكبيرة للجمع بين هذين التخصصين العلميين، قائلاً: «من خلال الجمع بين التسجيلات داخل الجمجمة والتحليل الجزيئي نقوم ببناء جسر بين عالمين كانا يُدرسان تقليدياً بشكل منفصل. هذا النهج يقدم لنا صورة أوضح عن كيفية عمل الدوائر العصبية على المستويين الكهربائي والجيني معاً، مما يحمل آثاراً عميقة على تطوير أساليب التعديل العصبي والعلاجات الدقيقة».

إطار لفهم الأمراض العقلية

كما أكدت الدراسة أن هذا «البرنامج النسخي» Transcriptional Program المكتشف حديثاً ليس مجرد ظاهرة عشوائية بل هو نمط يتكرر عبر مجموعات مختلفة من المرضى، ويتوافق مع المسارات البيولوجية المعروفة المرتبطة بالإشارات العصبية الاستثارية والوظائف التشابكية بين الخلايا العصبية.

أما الآثار المترتبة على هذا الاكتشاف فستكون واسعة النطاق؛ فاضطراب عملية النقل العصبي هو السمة الأساسية المشتركة في جميع الاضطرابات النفسية والعصبية الكبرى تقريباً، بما في ذلك الاكتئاب والفصام والصرع ومرض ألزهايمر. ومن خلال تحديد الجينات التي تدعم التواصل العصبي السليم أصبح لدى العلماء الآن هدف أكثر وضوحاً لفهم مواطن الخلل في الأمراض المختلفة.

ويشير الدكتور إغناسيو سايز، أستاذ علم الأعصاب وجراحة المخ والأعصاب في كلية إيكان للطب وأحد المشاركين بالدراسة، إلى أن هذه الدراسة تُحدث نقلة نوعية أيضاً في طريقة تفسير البيانات الجينية المعقدة، قائلاً: «تكمن قوة هذه الدراسة في قدرتها على دمج بيانات النسخ الجيني واسعة النطاق مع قياسات مباشرة لنشاط الدماغ. كما إن تحديد برنامج نسخي منسق يرتبط بالنقل العصبي يوفر لنا إطاراً جديداً لفهم كيفية تأثير الاختلافات الجينية على وظائف الدماغ وقابليته للإصابة بالأمراض».

مشهد حيّ لا خرائط ساكنةتقليدياً، اعتمد العلماء على الدراسات الجينية لتحديد عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض النفسية؛ أي تحديد الجينات التي قد تكون معطلة. لكن معرفة الجين المعطل لا تكفي وحدها لتفسير كيفية اختلال عمل الدوائر العصبية في الزمن الحقيقي. ويأتي هذا البحث الجديد ليشكل جسراً يربط بين المخاطر الجينية والنشاط الفعلي للدماغ.

ومن خلال تحديد الشكل «الصحي» للأنماط الجينية في أثناء عملية التواصل الدماغي النشط يمكن للباحثين الآن فهم الاضطرابات الجزيئية التي تحدث في الأمراض النفسية بشكل أفضل. وقد يؤدي هذا في النهاية إلى تطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة تعتمد على الآليات البيولوجية للمرض بدلاً من الأعراض فقط، بالإضافة إلى علاجات دقيقة مصممة لتصحيح أخطاء جينية محددة في مسارات الإشارات العصبية.

وفي المحصلة يحول هذا البحث دراسة الدماغ البشري من تمرين تشريحي ساكن إلى استكشاف ديناميكي للكائن الحي. فمن خلال التقاط اللحظة التي يتشكل فيها الفكر على المستوى الجيني يضع العلماء الأسس اللازمة للجيل المقبل من الرعاية النفسية والعصبية.


مقالات ذات صلة

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

خاص مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)

«أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) عن إطلاق نموذجها الجديد لتوليد الصور تحت اسم «Images 2.0».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» تنقل القيادة إلى جون تيرنوس مع احتفاظ تيم كوك بدور رئيس المجلس وسط ضغوط الذكاء الاصطناعي، واختبار المرحلة المقبلة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.


دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.