الصين توسع صادرات الوقود لاقتناص هوامش الربح

تخفيف القيود يعزز الإمدادات ويحد من ضغوط الأسعار

صهاريج نفط وغاز في مستودع تخزين بميناء تشوهاي الصيني (رويترز)
صهاريج نفط وغاز في مستودع تخزين بميناء تشوهاي الصيني (رويترز)
TT

الصين توسع صادرات الوقود لاقتناص هوامش الربح

صهاريج نفط وغاز في مستودع تخزين بميناء تشوهاي الصيني (رويترز)
صهاريج نفط وغاز في مستودع تخزين بميناء تشوهاي الصيني (رويترز)

تتجه الصين إلى الحفاظ على صادرات مرتفعة من الوقود المكرر خلال سبتمبر (أيلول)، مستفيدة من هوامش الربح القوية في الأسواق الخارجية، في تحول تدريجي عن القيود التي فرضتها بكين في وقت سابق من العام لحماية الإمدادات المحلية بعد اضطراب واردات النفط الخام من الشرق الأوسط. وقالت خمسة مصادر تجارية مطلعة إن المصافي الصينية يُتوقع أن تصدر أكثر قليلاً من 4 ملايين طن متري من البنزين والديزل ووقود الطائرات خلال سبتمبر، وهي مستويات قريبة من أغسطس (آب)، لكنها أعلى بوضوح من المتوسط الشهري المسجل العام الماضي والبالغ نحو 3 ملايين طن. وتعكس هذه الزيادة مرونة أكبر من جانب السلطات الصينية في إدارة صادرات المنتجات النفطية، بعدما بدأت بكين في مارس (آذار) تقييدها لضمان توافر الوقود محلياً في أعقاب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وما رافقها من اضطراب في تدفقات الخام من الشرق الأوسط. ورغم تحسن إمدادات النفط الخام العالمية نسبياً، لا تزال أسواق الوقود المكرر تعاني شحاً واضحاً. فروسيا، التي كانت من كبار مصدري المنتجات النفطية قبل حربها مع أوكرانيا، تحولت إلى مستورد بعد أن أدت هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية على مصافيها إلى نقص الإمدادات. وفي الوقت نفسه، لا تزال صادرات الوقود من الشرق الأوسط محدودة. وهذه الظروف منحت المصافي الصينية فرصة لتحقيق أرباح أعلى من خلال توجيه مزيد من إنتاجها إلى الأسواق الخارجية. ويتصدر وقود الطائرات قائمة الصادرات الصينية المتوقعة في سبتمبر بحجم يصل إلى 2.4 مليون طن، يليه الديزل بأكثر من مليون طن، بينما قد تبلغ صادرات البنزين نحو 600 ألف طن. وكانت شحنات أغسطس عند مستويات مشابهة، إذ تراوحت صادرات البنزين بين 700 و800 ألف طن، والديزل بين 1.1 و1.2 مليون طن، بينما بلغت صادرات وقود الطائرات نحو 2.2 مليون طن. وتشمل هذه الأرقام الوقود المزود للرحلات الجوية الدولية والصادرات إلى هونغ كونغ. وتبرز جاذبية التصدير بصورة خاصة في سوق الديزل. إذ تقدر هوامش أرباح صادرات الديزل الصينية بأكثر من 1500 يوان، أي نحو 223 دولاراً للطن، وفق تقديرات القطاع. وفي السوق الآسيوية، تدور هوامش تكرير الديزل حول 70 دولاراً للبرميل، أي أكثر من ثلاثة أضعاف مستويات فبراير (شباط) التي سبقت اندلاع الحرب الإيرانية. وهذا الفارق الكبير يمنح المصافي حافزاً قوياً لزيادة المبيعات الخارجية كلما سمحت حصص التصدير بذلك.

وقد بدأت المصافي الصينية بالفعل تسويق شحنات سبتمبر من البنزين والديزل ووقود الطائرات، وتشير حسابات إلى طرح ما بين 500 و600 ألف طن من الديزل حتى الآن. كما جرى ترحيل جزء من كميات أغسطس إلى سبتمبر نتيجة ضيق جداول الشحن.

وتظل سياسة الحصص العامل الحاسم في تحديد قدرة الصين على الاستفادة من هذه الظروف. ووفق المصادر، حصلت شركتا «بتروتشاينا» و«سينوبك» الحكوميتان على أكثر من 60 في المائة من مخصصات التصدير، بينما حصلت «تشجيانغ للبتروكيماويات» على حصة تقدر بنحو 500 ألف طن أو أكثر. ويتوقع متعاملون أن تصدر بكين دفعة ثالثة من حصص تصدير الوقود خلال الشهر المقبل تقريباً، بما يتوافق مع توقيت إصدار الحصص في السنوات الأخيرة. ومن شأن ذلك أن يمنح المصافي مساحة إضافية للاستفادة من الأسعار الخارجية إذا استمرت قوة هوامش التكرير. ولا تقتصر تداعيات هذه السياسة على الشركات الصينية، فزيادة تدفق الديزل ووقود الطائرات والبنزين من الصين تضيف إمدادات مهمة إلى السوق الآسيوية في وقت تواجه فيه المنطقة نقصاً نسبياً في المنتجات المكررة. ومن ثم، قد تسهم الصادرات الصينية في كبح ارتفاع أسعار الوقود الإقليمية، حتى إذا بقيت أسعار النفط الخام مرتفعة بفعل المخاطر الجيوسياسية. وتجد بكين نفسها أمام معادلة دقيقة بين حماية السوق المحلية والاستفادة من الأسعار العالمية؛ فالإبقاء على قيود صارمة يحمي الإمدادات الداخلية، لكنه يحرم المصافي من أرباح استثنائية، بينما يسمح تخفيف القيود للشركات بتحسين هوامشها ويزيد المعروض العالمي، لكنه قد يرفع حساسية السوق المحلية لأي اضطراب جديد في واردات الخام. وتشير مستويات سبتمبر إلى أن السلطات باتت أكثر اطمئناناً إلى وضع الإمدادات، بما يسمح للمصافي بالعودة تدريجياً إلى الأسواق الخارجية من دون تحرير الصادرات بالكامل. وبالنسبة إلى أسواق الطاقة الآسيوية، ستكون الخطوة التالية لبكين حاسمة. فإذا صدرت دفعة جديدة من حصص التصدير واستمرت الكميات فوق 4 ملايين طن شهرياً، فقد تتحول الصين إلى عامل أكثر تأثيراً في تهدئة أسعار المنتجات المكررة خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً الديزل ووقود الطائرات. أما عودة الاضطرابات إلى إمدادات الخام، فقد تدفع السلطات مجدداً إلى إعطاء الأولوية للسوق المحلية وتقليص الصادرات.


مقالات ذات صلة

السندات اليابانية تعيد رسم خريطة رؤوس الأموال العالمية

الاقتصاد ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)

السندات اليابانية تعيد رسم خريطة رؤوس الأموال العالمية

يبدو أن التحول التاريخي في سوق السندات اليابانية بدأ يتجاوز حدود طوكيو ليعيد تشكيل جزء من حركة رؤوس الأموال العالمية

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد مساعد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات د.سلطان بن سعيد خلال كلمته الافتتاحية (الشرق الأوسط)

293 مليون دولار استثمارات جديدة في الشركات الناشئة السعودية خلال «ليب 2026»

د اليوم الثالث من مؤتمر «ليب 2026» الإعلان عن جولات واستثمارات في رأس المال الجريء تجاوزت 293 مليون دولار، في عدد من الشركات الناشئة في السعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رجل يمر أمام مقر «البنك المركزي» في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

«بنك اليابان» يمهد لرفع جديد للفائدة دون تعهدات

اقترب «بنك اليابان» خطوة إضافية من رفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول)، بعدما تعهد محافظه بمواصلة التشديد النقدي إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية في مسارها الحالي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رجل يلتقط صورة أمام مقر البورصة في هونغ كونغ (رويترز)

الأسهم الصينية تتراجع واليوان تحت ضغط

تراجعت الأسهم الصينية، الأربعاء، تحت ضغط موجة بيع عالمية في السندات وارتفاع أسعار النفط، في حين بقيت سوق هونغ كونغ مستقرة نسبياً

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

«عوائد اليابان» تواصل الصعود والأسهم تتراجع

دخلت الأسواق اليابانية جلسة الأربعاء تحت ضغط مزدوج من ارتفاع عوائد السندات، وتصاعد المخاوف الجيوسياسية، مع ازدياد رهانات تسريع رفع الفائدة...

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«إيه دي بي»: تباطؤ نمو الوظائف في القطاع الخاص الأميركي خلال أغسطس

لافتة «نحن نوظّف» في واجهة متجر للتجزئة في نيويورك خلال موسم العطلات (رويترز)
لافتة «نحن نوظّف» في واجهة متجر للتجزئة في نيويورك خلال موسم العطلات (رويترز)
TT

«إيه دي بي»: تباطؤ نمو الوظائف في القطاع الخاص الأميركي خلال أغسطس

لافتة «نحن نوظّف» في واجهة متجر للتجزئة في نيويورك خلال موسم العطلات (رويترز)
لافتة «نحن نوظّف» في واجهة متجر للتجزئة في نيويورك خلال موسم العطلات (رويترز)

أظهر تقرير التوظيف الوطني الصادر عن شركة «إيه دي بي»، يوم الأربعاء، تباطؤ نمو الوظائف في القطاع الخاص الأميركي خلال أغسطس (آب)، في أحدث مؤشر على فقدان سوق العمل بعض الزخم.

وارتفع عدد الوظائف في القطاع الخاص بمقدار 38 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد تعديل بيانات يوليو (تموز) بالخفض إلى 46 ألف وظيفة، مقارنة بتقديرات خبراء اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم، بزيادة قدرها 48 ألف وظيفة. وكانت بيانات يوليو قد أشارت في وقت سابق إلى زيادة بلغت 44 ألف وظيفة.

وأُعد تقرير «إيه دي بي» بالتعاون مع مختبر «ستانفورد للاقتصاد الرقمي»، وصدر قبيل تقرير الوظائف الشهري الأكثر شمولاً ومتابعة، الذي يصدره مكتب إحصاءات العمل الأميركي يوم الجمعة.

ولم تكن بيانات «إيه دي بي» في السنوات الأخيرة مؤشراً دقيقاً دائماً على اتجاهات الوظائف في القطاع الخاص، وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل، ما يقلّل قدرتها على التنبؤ بنتائج التقرير الحكومي.

وكان مكتب إحصاءات العمل قد أفاد، يوم الثلاثاء، بوجود 1.05 وظيفة شاغرة لكل عاطل عن العمل في يوليو، وهو مستوى لم يتغير كثيراً عن يونيو، في مؤشر على استمرار قدر من الاستقرار في سوق العمل رغم تباطؤ التوظيف.

وحسب استطلاع أجرته «رويترز» لخبراء اقتصاديين، يُتوقع أن يكون القطاع الخاص قد أضاف 45 ألف وظيفة في أغسطس (آب)، بعد زيادة قدرها 30 ألف وظيفة في يوليو. كما يُرجح أن يكون إجمالي الوظائف غير الزراعية قد ارتفع بمقدار 56 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد انخفاض مفاجئ بلغ 23 ألف وظيفة في يوليو.

ومن المتوقع أن يستقر معدل البطالة عند 4.1 في المائة في أغسطس.


«السعودية الرقمية» في «ليب 2026»... منظومة ترسم مستقبل الخدمات الحكومية

زوار في جناح الحكومة الرقمية خلال «ليب 2026» (الحكومة الرقمية)
زوار في جناح الحكومة الرقمية خلال «ليب 2026» (الحكومة الرقمية)
TT

«السعودية الرقمية» في «ليب 2026»... منظومة ترسم مستقبل الخدمات الحكومية

زوار في جناح الحكومة الرقمية خلال «ليب 2026» (الحكومة الرقمية)
زوار في جناح الحكومة الرقمية خلال «ليب 2026» (الحكومة الرقمية)

تدخل تجربة التحول الرقمي في السعودية مرحلة تتجاوز نقل الخدمات الحكومية إلى المنصات الإلكترونية، مع توجه متزايد نحو ربط الخدمات والجهات، وتوظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة لتحسين تجربة المستفيد ورفع كفاءة الأداء الحكومي.

ويجسد معرض «السعودية الرقمية»، الذي تنظمه هيئة الحكومة الرقمية ضمن فعاليات مؤتمر «ليب 2026»، هذا التوجه من خلال مشاركة أكثر من 40 جهة حكومية، تستعرض مبادراتها ومنتجاتها وخدماتها، إلى جانب تجاربها في استخدام التقنيات الحديثة وتطوير الخدمات المقدمة للمستفيدين.

ويتضمن برنامج المعرض، الممتد على مدى أربعة أيام، توقيع أكثر من 30 اتفاقية ومذكرة تفاهم، وإطلاق أكثر من 20 منتجاً ومنصة، إضافةً إلى أكثر من 15 جلسة حوارية وورشة عمل، واستعراض ما يزيد على 12 قصة نجاح، إلى جانب ثلاثة تكريمات.

زوار في جناح الحكومة الرقمية خلال «ليب 2026» (الحكومة الرقمية)

الذكاء الاصطناعي والبنية التقنية

وشكَّل الذكاء الاصطناعي أحد المحاور الرئيسية في المعرض، مع عرض تطبيقات عملية لهذه التقنيات في عدد من الخدمات. وأطلقت وزارة البيئة والمياه والزراعة المساعد الصوتي الذكي «Namaa AI» لمنصة «نما»، فيما أطلقت الهيئة العامة للغذاء والدواء خدمة «Pro-Verifier» للتحقق الذكي من المنتجات.

وشملت الإطلاقات قطاعات أخرى، إذ أطلقت وزارة الإعلام المنصة القطاعية لقطاع الإعلام، بينما أعلنت وزارة الحج والعمرة التحول السحابي الشامل لمنظومة «نسك الرقمية»، بهدف رفع مرونة البنية التقنية واستمرارية الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن.

زوار في جناح الحكومة الرقمية خلال «ليب 2026» (الحكومة الرقمية)

في السياق ذاته، قال محافظ هيئة الحكومة الرقمية المهندس أحمد الصويان، إن إعلانات اليوم الثاني من «ليب 2026» تشمل إضافة قدرات جديدة للحوسبة السحابية في المملكة، وتوسيع البنية الوطنية لمراكز البيانات، إلى جانب خطوات جديدة في تطوير تقنيات تُبنى داخل السعودية، بما في ذلك أجهزة يجري تصميمها وتصنيعها محلياً.

تكامل الخدمات عبر «توكلنا»

وفي خطوة تعكس توسع الربط بين الخدمات الحكومية، كرّمت هيئة الحكومة الرقمية 62 جهة حكومية بعد استكمال دمج خدمات تطبيقاتها في التطبيق الوطني الشامل «توكلنا». ويسهم هذا الدمج في جمع عدد أكبر من الخدمات في منصة واحدة، بما يقلل الحاجة إلى التنقل بين التطبيقات المختلفة.

كما ركز المعرض على قياس تجربة المستفيد، إذ كرّمت هيئة الحكومة الرقمية المنصات العشر الأعلى أداءً في مؤشر نضج التجربة الرقمية لعام 2026، الذي سجل 87.06 في المائة بمستوى «متقدم»، بعد تقييم 59 منصة ومشاركة أكثر من 800 ألف مستفيد.

وتصدرت «أبشر» النتائج بنسبة 94.38 في المائة، تلتها «اعتماد» بنسبة 94.36 في المائة، ثم «صناعي» بنسبة 92.83 في المائة.

زوار في جناح الحكومة الرقمية خلال «ليب 2026» (الحكومة الرقمية)

السعودية في صدارة مؤشرات الحكومة الرقمية

يأتي ذلك في وقت تحتل فيه السعودية مراكز متقدمة في مؤشرات دولية لقياس تطور الخدمات الحكومية الإلكترونية. وحصلت المملكة على المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية (GTMI) لعام 2025 الصادر عن مجموعة البنك الدولي، كما جاءت في المرتبة الأولى إقليمياً للمرة الرابعة على التوالي في مؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة (GEMS) لعام 2025.

وتجمع مشاركة الجهات الحكومية في «السعودية الرقمية» بين إطلاق خدمات ومنصات جديدة، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، وربط الخدمات القائمة عبر «توكلنا»، فيما أظهرت نتائج مؤشر نضج التجربة الرقمية تقييم 59 منصة بمشاركة أكثر من 800 ألف مستفيد.


السندات اليابانية تعيد رسم خريطة رؤوس الأموال العالمية

ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)
ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)
TT

السندات اليابانية تعيد رسم خريطة رؤوس الأموال العالمية

ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)
ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)

يبدو أن التحول التاريخي في سوق السندات اليابانية بدأ يتجاوز حدود طوكيو ليعيد تشكيل جزء من حركة رؤوس الأموال العالمية، بعدما تجاوز عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ عام 1996، في تطور يحمل تداعيات تتجاوز تكلفة الاقتراض المحلية إلى أسواق الخزانة الأميركية والديون الأوروبية والأسترالية.

فعلى مدى عقود، لعب المستثمرون اليابانيون دوراً محورياً في تمويل أسواق السندات العالمية، مستفيدين من بيئة محلية اتسمت بعوائد شديدة الانخفاض دفعتهم إلى البحث عن دخل أعلى في الخارج. لكن هذه المعادلة بدأت تنقلب تدريجياً مع صعود العوائد داخل اليابان إلى مستويات لم تشهدها السوق منذ ثلاثة عقود.

والسؤال الأهم حالياً لا يتعلق بما إذا كان المستثمرون اليابانيون سيبيعون فجأة محافظهم الخارجية الضخمة، بل بما إذا كانت اليابان ستتوقف تدريجياً عن كونها المشتري الهامشي الذي تعتمد عليه أسواق الدين الدولية.

وتشير البيانات إلى أن هذا التحول بدأ بالفعل، فقد باع المستثمرون اليابانيون صافي سندات خارجية بقيمة نحو 3 تريليونات ين، أي ما يقارب 18.7 مليار دولار، منذ بداية العام وحتى 22 أغسطس (آب)، وهو أكبر تدفق صافٍ إلى الخارج منذ موجة الهبوط العنيفة في أسواق السندات عام 2022.

ومع أن الرقم يظل صغيراً مقارنة بمحفظة اليابان الخارجية التي تبلغ نحو 2.4 تريليون دولار، فإن الاتجاه نفسه يكتسب أهمية، خصوصاً مع ظهور إشارات من صناديق التقاعد ومديري الأصول إلى تزايد الاهتمام بإعادة الأموال إلى السوق المحلية.

وقال مايكل وايدنر، الرئيس المشارك للدخل الثابت العالمي في «لازارد لإدارة الأصول»، إن المستثمرين اليابانيين خفّضوا تعرضهم للأوراق المالية المقومة بالين طوال نحو 25 عاماً، لكن ارتفاع العوائد المحلية غيَّر المعادلة، وبدأ يدفعهم إلى إعادة توزيع محافظهم.

عائد 3 % يغير الحسابات

بلغ عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات 3 في المائة هذا الأسبوع، بعدما تضاعف أكثر من ثلاث مرات خلال العامين الماضيين. وخلال الفترة نفسها، ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات بنحو نقطة مئوية فقط، مما أدَّى إلى تقلص الفارق بين العائدين بأكثر من 100 نقطة أساس.

وهذا التقلص مهم للغاية بالنسبة للمستثمر الياباني. فعندما كانت السندات المحلية تحقق عوائد قريبة من الصفر، كان منطق الاستثمار في الخزانة الأميركية أو السندات الأوروبية واضحاً حتى بعد تحمل تكلفة التحوط من تقلبات العملات. أما الآن، فقد أصبحت السندات اليابانية نفسها تقدم عائداً جذاباً، من دون تحمل مخاطر الدولار أو اليورو أو تكاليف التحوط المرتفعة.

وقال توشينوبو تشيبا، مدير صندوق في «سيمبلكس لإدارة الأصول»، إنه أصبح أكثر تشاؤماً تجاه سندات الخزانة الأميركية وبدأ في شراء السندات اليابانية لأجل عشر سنوات قبل وصول العائد إلى ذروته الأخيرة.

وأضاف أن شراء السندات اليابانية بعائد يزيد على 3 في المائة أصبح قراراً سهلاً للمستثمر طويل الأجل، معتبراً أن سحب جزء من الأموال من الولايات المتحدة وإعادتها إلى اليابان يمثل حركة طبيعية في البيئة الحالية.

صناديق التقاعد تتحرك

وتبرز صناديق التقاعد باعتبارها أحد أهم مصادر التحول المحتمل، فقد أظهر مسح أجرته «جي بي مورغان لإدارة الأصول» وشمل 82 صندوق تقاعد تابعاً لشركات يابانية أن صافي نسبة الصناديق التي تعتزم زيادة حيازاتها من السندات المحلية بلغ أعلى مستوى منذ بدء المسح في 2008.

كما واصلت هذه الصناديق تقليص استثماراتها في الديون الخارجية، وسط ارتفاع تكلفة التحوط من العملات.

ولا توجد حتى الآن مؤشرات على أن صندوق استثمار المعاشات التقاعدية الحكومي الياباني، البالغة أصوله نحو 1.8 تريليون دولار، يقوم بتحول واسع في محفظته. لكن مجرد احتمال زيادة الوزن النسبي للأصول المحلية أثار قلق الأسواق خلال الصيف، نظراً إلى ضخامة هذا الصندوق وتأثيره المحتمل في التدفقات العالمية.

وقال ماسايوكي ناكاجيما، كبير الاستراتيجيين في «ميزوهو بنك» بلندن، إن ارتفاع عوائد السندات الحكومية اليابانية يجعل الدخل الثابت المحلي أكثر جاذبية على أساس التحوط من العملات، وقد يشجع المستثمرين على تحويل جزء من أصولهم الخارجية إلى اليابان.

الضغط يمتد إلى أميركا وأستراليا

وتحمل هذه التحولات أهمية خاصة لسوق سندات الخزانة الأميركية، لأن اليابان أكبر مالك أجنبي لها. فإذا لم يعد المستثمر الياباني يرى ضرورة لمطاردة العائد الأميركي، فإن الطلب الهامشي على الخزانة قد يتراجع في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة أصلاً من دين عام ضخم واحتياجات إصدار متزايدة.

وقال جاستن أونوكوسي، كبير مسؤولي الاستثمار في «سانت جيمس بليس»، إن ارتفاع العوائد اليابانية يقلص فجأة حجم المشتري الهامشي للسندات الأميركية والدولية، لأن الفارق في القيمة النسبية لم يعد كبيراً كما كان.

وفي أستراليا، حيث كان المستثمرون اليابانيون من أكبر حائزي الدين الأجانب قبل الجائحة، لاحظ المتعاملون أيضاً تحولاً من تراكم المراكز إلى الاكتفاء بالحفاظ على الحيازات الحالية.

وقال رايان إليس، رئيس مبيعات الأسواق في «سيتي» لأستراليا ونيوزيلندا، إن المستثمرين اليابانيين أظهروا للمرة الأولى منذ سنوات ميلاً أكبر إلى السوق المحلية، في قرار مدفوع في الأساس بمستوى العائد.

أثر أوسع على علاوة الأجل

ولا يعني هذا بالضرورة موجة بيع ضخمة ومفاجئة للسندات الأجنبية. فالمراكز اليابانية الخارجية تراكمت على مدى عقود، وكثير منها يدار ضمن استراتيجيات طويلة الأجل أو محمية من تقلبات العملات. لكن حتى تباطؤ المشتريات الجديدة يحمل أثراً مهماً، فالأسواق العالمية تعتمد إلى حد كبير على «المشتري الهامشي»، أي المستثمر الذي يضيف طلباً جديداً عند كل إصدار. وإذا تراجع هذا الطلب من اليابان، فقد يحتاج المقترضون إلى تقديم عوائد أعلى لجذب المستثمرين الآخرين.

وقال ماساهيكو لو، كبير استراتيجيي الدخل الثابت في «ستيت ستريت لإدارة الاستثمار»، إن القصة الأساسية ليست إعادة أموال ضخمة إلى اليابان دفعة واحدة، بل توقف اليابان تدريجياً عن لعب دور المشتري الهامشي للسندات الأجنبية، وأضاف أن انخفاض الطلب الإضافي من واحدة من أكبر مجمعات المدخرات في العالم يسهم في رفع «علاوة الأجل» عالمياً، أي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل.

بنك اليابان في قلب التحول

ويتوقف مدى استمرار هذا الاتجاه على السياسة النقدية اليابانية. فالمستثمرون يسعرون حالياً احتمالاً مرتفعاً لرفع بنك اليابان سعر الفائدة خلال اجتماعه في 17 و18 سبتمبر (أيلول)، بعدما أكد المحافظ كازو أويدا أن البنك سيواصل رفع الفائدة إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية والأسعار في مسارها الحالي. ويرى كيفن ثوزيت من «كارمينياك» أن تحسين وضع الين يحتاج إلى رفع الفائدة بوتيرة أسرع مما تتوقعه الأسواق.

وهنا تتداخل سوق السندات مع سوق العملات، فإذا رفع بنك اليابان الفائدة بصورة أسرع، قد يحصل الين على دعم إضافي، ويصبح الاستثمار المحلي أكثر جاذبية. لكن إذا بقيت الفجوة مع الولايات المتحدة واسعة، فقد يستمر ضعف العملة ويحد من سرعة عودة الأموال إلى الداخل.

وتأتي هذه التحولات في وقت تتزايد فيه أيضاً المخاوف من السياسة المالية اليابانية. فحكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي تدفع باتجاه إنفاق أكبر على قطاعات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية التحتية، في وقت ترتفع فيه بالفعل تكاليف خدمة الدين.

وقد ساهمت هذه المخاوف في صعود عوائد السندات المحلية، لأن المستثمرين يطلبون تعويضاً أكبر مقابل تحمل مخاطر المعروض المتزايد والتوسع المالي.

وامتنعت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما عن التعليق على مستوى 3 في المائة تحديداً، لكنها أكدت التزام الحكومة بإدارة الدين بصورة مناسبة.

من «مصدر» إلى «وجهة» لرأس المال

لذلك، قد يكون التغيير الأهم الجاري في اليابان هو تحولها التدريجي من دولة تصدر المدخرات إلى الخارج بحثاً عن العائد، إلى سوق قادرة على الاحتفاظ بجزء أكبر من تلك المدخرات داخلياً.

وهذا تحول ذو وزن عالمي. فإذا استقرت العوائد اليابانية عند مستويات مرتفعة نسبياً، واستمر بنك اليابان في التشديد، فقد يزداد إقبال صناديق التقاعد وشركات التأمين ومديري الأصول على السندات المحلية.

وكل ين يبقى في الداخل ولا يذهب إلى الخزانة الأميركية أو الديون الأوروبية أو الأسترالية يعني، في النهاية، مشترياً أقل في أسواق عالمية تعاني أصلاً من وفرة الإصدارات وارتفاع الديون والتضخم.

وقد لا تتحول اليابان بين عشية وضحاها إلى ساحب ضخم لرؤوس الأموال من الخارج، لكن مجرد تراجع دورها كمصدر دائم للطلب على السندات الأجنبية كافٍ لتغيير معادلة التسعير.

وبذلك يصبح حاجز 3 في المائة أكثر من مجرد رقم في سوق السندات اليابانية. إنه علامة على تحول أعمق في اتجاه المال العالمي؛ من عقود كانت فيها اليابان تمول الخارج بسبب انعدام العائد في الداخل، إلى مرحلة يصبح فيها الاحتفاظ بالمدخرات داخل اليابان خياراً أكثر منطقية وربحية.