منطقة الشرق الأوسط، بتعقيدات حاضرها وتشابكات مصالحها واختلاف سياساتها وصراع استراتيجياتها، تُشكل مدرسة سياسية من الطراز الرفيع لأي سياسي وصانع قرارٍ في الشرق أو الغرب، وكذلك لأي محللٍ سياسي يسعى إلى كتابة اسمه ضمن كبار المحللين والمستشارين وصانعي السياسات.
هذا حاضرها فحسب، فكيف بماضيها؟ ماضيها الذي يجمع أكثر تراث الهويات المعقدة عمقاً وتناقضاً وصراعاً، إنْ في الإثنيات العرقية أو الأديان المختلفة أو الطوائف المتعددة والمذاهب الكثيرة، وبعد الحاضر والماضي تأتي التناقضات الكبرى في رؤية المستقبل واستراتيجيات بنائه وأولويات حكوماته وطموحات قياداته وشعوبه، وإمكانات دوله في كل العناصر المؤثرة في صناعة القوة بكل معانيها، وضمان التأثير وتأكيد النجاح وحيازة الإنجاز.
وحسبما نقلته وسائل الإعلام العربية عن صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فقد «كشف مصدران إيرانيان أن الهجوم الذي استهدف ميناء دمياط في مصر بطائرة مسيّرة يهدف إلى إظهار أنَّ حركة الشحن العالمية وإمدادات الطاقة يمكن أن تتعرض لاضطرابات أوسع، إذا قررت إيران تصعيد المواجهة»، وقد سعت مصر محقةً إلى تجنب الانخراط في العديد من الصراعات بالمنطقة، وتحديداً في الحرب الحالية بين أميركا وإيران، لأسبابٍ وجيهةٍ عبّرت عنها مصر قيادةً وحكومةً بشكل واضح.
على مدى عقودٍ من الزمن، خرجت في الدول الغربية أصواتٌ ومراكز دراساتٍ ومحللون من كل شكلٍ ولون، سعوا جاهدين لتقديم فهم أعمق لسياسات واستراتيجيات إيران، وطَرْحُ بعضها كان عميقاً وعلمياً، وقُدّمت جميعاً لصانع القرار هناك، ولكنها جميعاً فشلت بسبب المناهج العلمية المتبعة وقواعد العقل والمنطق التي انطلقت منها، والواقعية السياسية وحسابات الأرباح والخسائر التي اتبعتها، لأن هذه الأدوات العلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تحسن العمل على مستوى الآيديولوجيا، وما يتفرع عنها من خرافات متعددةٍ ومتناقضة، وقد جرى مثل هذا الفشل تماماً في تعامل الغرب مع جماعات الإرهاب الديني من تنظيم «القاعدة» إلى تنظيم «داعش».
لقد وضعت الدولة المصرية بقياداتها ومؤسساتها الحدثَ في إطاره الصحيح، ولم تتعامل معه بأي شكل من أشكال الاستخفاف أو الإنكار، في حين لم يوفق لذلك بعض المعلقين أو المحللين السياسيين من مصر ومن المنطقة عموماً، بحيث بات التناقض واضحاً وجلياً في طروحات بعضهم قبل دخول المسيّرات مصر وبعده.
لقد ظلّ بعض المحللين الغربيين لسنوات طوالٍ يؤكدون دائماً صراع أجنحةٍ داخل إيران، يختلف توصيفها ورصد علاقاتها وقياس قوتها وتأثيرها، حسب كل مرحلةٍ من الخمسين عاماً الماضية، وبناءً على ذلك الفهم والتحليل اختلفت سياسات الدول الغربية ورهاناتها من مرحلة إلى مرحلة، وقد ثبت للجميع اليوم أن الدولة الإيرانية واحدةٌ، وكل ما كتب عن صراعات أجنحةٍ إنما كان يُعبر عن عدم قدرةٍ على الفهم أو عدم رغبةٍ فيه لدى البعض هناك.
أخطر المحاولات اليوم هو تحويل الحرب الأميركية - الإيرانية إلى حرب شاملة في المنطقة، تأكل أخضرها ويابسها، وتشمل كل دولها وشعوبها، وتقضي على كل رؤاها التنموية العظيمة وتطلعاتها المستقبلية الطامحة، ولكن قيادات المنطقة الحكيمة لن ترضى بمثل هذا المصير المظلم لدولها وشعوبها وطموحاتها.
تصريحات الرئيس الأميركي ترمب صارخةٌ في حدتها للتعبير عما يجري في كثيرٍ من الأحيان، ولكن كلماته في هذه الحرب «تحديداً» تكشف كثيراً عما لم تكن تقوله القيادات الأميركية سابقاً، بحيث اعتمد الرئيس بوش «الابن» «التجاهل» في ردة فعله بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 المقيتة، في حين اتجه الرئيس أوباما لصناعة اتفاقٍ نووي يعدّ من بين الأكثر فشلاً في التاريخ، لأنه منح من لا يستحق أكثر مما كان يرجو.
أخيراً، فعلى الرغم من كل ما يبدو متناقضاً، أو يظهر بوصفه توسيعاً للحرب أو إعادة تنشيط للوكلاء، إنما يؤكد أمراً واحداً، وهو ما كانت العرب قديماً تقوله:
جزى الله الشدائد كل خير
وإن كانت تغصصني بريقي
وما شكري لها إلا لأني
عرفت بها عدوي من صديقي
