في استمرار ترك بعض الدول بصمات تربوية واجتماعية في لبنان بعد انتهاء حالة انتداب لهذا الوطن، على نحو السنوات الانتدابية من جانب فرنسا، إنشاء مشاريع تربوية تشكِّل استمراريتها، وحالات من تفوُّق المنتسبين إلى المراكز التعليمية التي أنشأتها الدولة في لبنان، وكما لو أنَّ الهدف من ذلك هو إشعار الشعب اللبناني بهذا الدور التربوي الذي تؤديه هذه الدولة تجاه وطن خارج مِن حقبة انتداب كان فاقداً فيها قراره الوطني السيادي.
بالنسبة إلى انتداب فرنسا للبنان على مدى ثلاثة وعشرين عاماً (مِن 1920 إلى 1943) نلاحظ أن الحكومات الفرنسية ما بعد الانتداب لم يكن يعنيها إنشاء ميليشيا في لبنان وتزويد أفرادها بمختلف أنواع سلاح ذلك الزمن، وتطوير الدور إلى درجة تأسيس حزب تأتمر قيادته بما يأتي مِن تعليمات، وإنَّما الذي عملت عليه هو التركيز على إنشاء مدارس ومؤسسات تربوية، يعزز المسؤولون عنها الفرنكوفونية، ونرى في هذا المنحى إنشاء شبكة مدارس تتساوى فيها اللغة العربية مع اللغة الفرنسية. وخير مثال على هذا المنحى إنشاء «الليسيات»؛ أي ما يشبه الجامعة، لا تقتصر أمكنة إقامتها على حي مسيحي أو على حي مسلم، كما لا يقتصر الإنشاء على العاصمة، وإنما يشمل بلدات في الساحل اللبناني وجبله. كما أنَّ فرنسا بتعاقُب حكومات ما بعد الانتداب حرصت على أن يكون التدريس باللغتيْن العربية والفرنسية. وهذا عدا مستشفيات غير ربحية.
في ضوء هذا الدور المنزَّه عن التدخل في عُمق السياسة اللبنانية، استمر اللبنانيون يتوارثون توصيف فرنسا ﺒ«الأم الحنون»، ما دامت لا تتطلع إلى إنشاء دولة ضمن الكيان الذي انتدبتْه. ولماذا تتطلع ما دام الأمر لها على مدى 23 سنة انتداباً تنوعت فيها «حكومات لبنانية» بصياغة مِن جنرال فرنسي، فضلاً عن تعيين رؤساء للجمهورية أمثال شارل دباس، وحبيب باشا السعد، وألفرد نقاش، وأيوب تابت، وبترو طراد. وهذه العلاقة القائمة على التبصر وعدم اعتبار لبنان كوكباً في سماء السياسة الفرنسية، هي التي تحمل كل رئيس تولَّى الحُكم في فرنسا منذ السبعينات وحتى الرئيس إيمانويل ماكرون على أن تكون أحوال لبنان المتأزمة موضع اهتمامه، حيث يقوم بزيارة المتفقد على نحو ما فعل جاك شيراك، وما زال يفعله ماكرون زائراً أو مستضيفاً.
ظاهرة «فرنسة لبنان» قبْل انتدابه، تتشابه في بعض فصولها وأشخاصها مع «فرسنة لبنان»، وذلك أنه في خلال مدة مثيلة للمدة التي استغرقتْها حالة الانتداب الفرنسي، استطاعت الجمهورية الإيرانية وربما مِن باب استخلاص الأحوال والعِبر والخسائر والصدمات مِن الحرب مع العراق الصدَّامي، والتشابه هنا إيجابي لصالح فرنسا واحتوائي لصالح إيران، حيث إن إيران وضِمْن مخطط ذي طابع فرنسي أنشأت على مدى العقود الأربعة «جيشها» المزود بأنواع لم يحصل عليها لبنان الدولة الرسمية. وإلى جانب هذا «الجيش» ذي التسمية «المقاومة»، ومعه الكشافة المؤهلون عسكرياً، أنشأت عشرات المساجد والمشافي والمراكز الدينية والتجارية والمصرفية، وأدخلت اللغة الفارسية ضِمْن مناهج مدارس أنشأتْها. وهذه كلها حققت نشوء مجتمع فارسي التقاليد والعادات بلسان عربي، فضلاً عن أن تسميات المؤسسات التربوية والكشفية والمصرفية كانت على نحو ما هي عليه برامج التعبئة والتثقيف المذهبي. وهذا كله لم يقتصر على الضاحية الجنوبية (عاصمة المقاومة) جارة العاصمة بيروت، وإنما شمل المناطق ذات الولاء للقيادة الإيرانية مِن الجنوب إلى البقاع، إلى مناطق بعلبك.
لو أنَّ الحُكم الإيراني اختار الصيغة الفرنسية والأميركية وأنشأ مدارس وجامعات بمستوى المؤسسات التعليمية الفرنسية والأميركية، لكان هذا أفضل لأجيال مِن الطائفة. وهذا على سبيل المثال النموذج المصري، حيث إنَّ الرئيس جمال عبد الناصر وفي ذروة تألُّق زعامته ارتأى أن تكون لمصر جامعة في لبنان، وهذا حققه بإنشاء «جامعة بيروت العربية».
في نهاية ليست بعيدة للحقبة التي يعيشها العالم العربي لن يُكتب للفرسنة البقاء كما خطَّط لذلك الحُكم الإيراني الذي تراوده على ما يجوز الافتراض حقبة الحُكم الفارسي. وسنكتشف أن جيلاً جرى تثقيفه بوسائل التعبئة سيجد نفسَه يعيش حالة من الحيرة بسبب تمازُج هوية أجداده مع هوية الحُكم الإيراني الذي ربما يرى أنَّ الفرسنة في لبنان تُحقق له مبتغاه، وهو في ذلك يناقض حالة واقعية لا خشية منها، وهي الفرنسة التي بدأت انتداباً وخرجت مِن دون إزهاق أرواح، وجعلت قادة فرنسا فيما بعد يحققون في لبنان دوراً تعليمياً وتثقيفياً كالذي تؤديه الجامعة الأميركية و«جامعة بيروت العربية»، وتتم خطوات هذا الدور في منأى عن التحديات. ولا تزال الفرصة مواتية التأمل في عوائد الفرنسة لإعادة النظر في الفرسنة.
