عادل درويش
صحافي معتمد في مجلس العموم البريطاني، وخبرة 55 عاماً في صحف «فليت ستريت». وكمراسل غطى أزمات وحروب الشرق الأوسط وأفريقيا. مؤرخ نشرت له ستة كتب بالإنجليزية، وترجمت للغات أخرى، عن حربي الخليج، و«حروب المياه»؛ أحدثها «الإسكندرية ، وداعاً: 1939-1960».
TT

هل تستطيع الأمم المتحدة ضبط الذكاء الاصطناعي؟

استمع إلى المقالة

دعا الزعيم البريطاني آندي بيرنهام، من منبر الأمم المتحدة، إلى وضع ضوابط دولية للذكاء الاصطناعي لضمان سيادة الإنسان، معلناً وضع الملف ضمن أولويات الرئاسة البريطانية لمجموعة العشرين العام القادم، طارحاً مسارين متكاملين: الأمم المتحدة منبراً للتوافق الدولي، ومجموعة العشرين إطاراً أكثر واقعية للتوصل إلى معايير مشتركة؛ إذ تضم الاقتصادات الكبرى، ولديها الاستثمارات والإمكانات التقنية اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، على أن تتولى الدول تطبيق المعايير داخلياً.

لكن السؤال الحقيقي هو عن إمكان تحوُّل الدعوة إلى التزامات قابلة للتنفيذ، وسط تنافس القوى الكبرى، وتضارب المصالح، والضغوط الاقتصادية داخل الدول.

استعاد بيرنهام تجربة التعاون الدولي عقب الأزمة المالية عام 2008، عندما اتفقت الحكومات على مبادئ عامة، ثم اتخذت كل دولة إجراءاتها. ولكن الذكاء الاصطناعي يتطور ويتجاوز الحدود بسرعة تسبق قدرة الحكومات على التفاوض ومراقبة الالتزام بالاتفاقيات.

وتبدأ الصعوبة من واشنطن وبكين. فبينما دعا بيرنهام إلى قواعد مشتركة، رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضوابط دولية تحدُّ من تطوير الذكاء الاصطناعي. أما الرئيس الصيني شي جينبينغ، فقد استحضر خلال لقائه ترمب، الخميس: «فخ ثيوسيديدس»، نسبة إلى المؤرخ الإغريقي الذي وصف القلق من صعود أثينا ومواجهة إسبرطة لها، مؤكداً إمكان تجنب الصدام بين القوتين.

استحضار التاريخ الإغريقي ليس نبوءة بحرب أميركية صينية؛ بل للتذكير بأن التنافس قد يُعَوِّق التعاون عند الحاجة إليه. فالطرفان يدركان مخاطر التكنولوجيا، ولكن أياً منهما يرفض قيوداً تمنح منافسه أفضلية استراتيجية أو اقتصادية.

والعقبة تتجاوز التنافس بين واشنطن وبكين؛ وإذا اتفقت الحكومات فستظل تواجه ضغوطاً متعارضة بين حماية المجتمع، وتشجيع الابتكار، وجذب الاستثمارات، وتوفير الوظائف، والخشية من أن تسبقها الشركات الأميركية والصينية في سباق التكنولوجيا.

فتشديد الروابط سيرفع تكاليف الشركات الأوروبية ويعرقل ابتكاراتها، بينما تقل الضوابط على منافسيها في بيئات أخرى. وتواجه الحكومات مطالب حماية الوظائف، والخصوصية، والأمن، والاعتراضات على استهلاك مراكز البيانات للكهرباء والمياه، مع أنها تجلب استثمارات وفرص عمل. فالمسألة ليست اختياراً بسيطاً بين التقدم والمخاطر.

ويختلف الذكاء الاصطناعي عن الأسلحة التي حاولت القوى الكبرى ضبطها خلال الحرب الباردة. فالرؤوس النووية والصواريخ أشياء مادية يمكن عدّها والتفتيش على مواقعها. أما البرامج فيمكن تطويرها ونقلها عبر الحدود، وقد تتغير قدراتها قبل أن تنتهي اللجان الدولية من صياغة قواعد تنظيمها.

أما السؤال العابر للحدود فهو: مَن المسؤول عندما يتسبب نظامٌ للذكاء الاصطناعي في ضرر؟ الشركة التي طورته، أم من استخدمه، أم المسؤول الذي سمح له بالعمل دون إشراف بشري كافٍ؟

بائع السندويتشات على الرصيف يخضع لشروط البلدية ومراقبة سلامة الغذاء، وقد يواجه المساءلة إذا عرّض زبائنه للخطر. أما عندما يتسبب برنامج طورته شركة بمليارات الجنيهات في ضرر، فقد تضيع المسؤولية بين المبرمجين، والمديرين، والمتعاقدين والمحامين. فتحديد القانون والقواعد لما يمكن للمسؤول منعه من ضرر أهم من إدانته بعد وقوعه.

تذكّرنا المعضلة برواية ماري شيلي الصادرة عام 1818: «فرانكنشتاين؛ أو بروميثيوس المعاصر»؛ تجربة فيكتور فرانكنشتاين، دارس الطب الذي دفعه طموحه وخياله العلمي إلى تجاوز الحدود الطبية والأخلاقية المألوفة، ثم عجز عن تحمّل مسؤولية ابتكاره. وبروميثيوس، في الأسطورة الإغريقية، حمل النار إلى البشر. فالسؤال عن حدود المعرفة ومسؤولية صاحبها أقدم من عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي.

لكن الضوابط تحمل خطراً آخر إذا تحولت من تنسيق أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى منح الحكومات سلطة تحديد ما يجوز للمواطن أن يسأل عنه أو يعرفه. فحماية المجتمع لا ينبغي أن تصبح ذريعة للرقابة على الأفكار وتقييد الوصول إلى المعلومات.

وقد أثبت مجلس الأمن إمكان تعاون القوى الكبرى عندما تتلاقى مصالحها، كما حدث عقب غزو الكويت عام 1990. ولكن الاتفاق على مبادئ غير تحويلها إلى التزامات قابلة للتطبيق، والمحاسبة شيء آخر؛ خصوصاً حين تتشابك المصالح الاستراتيجية مع أرباح الشركات وطموحات الحكومات.

اختبار مبادرة بيرنهام ليس في عدد داعميها في الأمم المتحدة؛ بل فيما قد تتفق عليه مجموعة العشرين، وما تقبل الحكومات تطبيقه داخلياً. فالمطلوب ليس وقف الابتكار، ولا إطلاق يده بلا مسؤولية، وإنما تحديد ما يجب أن يبقى تحت رقابة الإنسان، ومن يتحمل تبعات الإخلال بذلك.

ولعلَّ مغزى رواية ماري شيلي قبل أكثر من مائتي عام ليس الخوف من الابتكار؛ بل التحذير من أن يتجاوز الابتكار قدرة صاحبه على التحكم في نتائجه. والسؤال اليوم ليس في صفحات الأدب؛ بل في مختبرات الذكاء الاصطناعي وقاعات الأمم المتحدة: كيف نضمن بقاء القرار في يد الإنسان؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أفلتت الأمور من سيطرته؟