المعلّق السياسي الأميركي تاكر كارلسون محسوب على تيار أقصى اليمين تقليدياً، على الأقل حتى العام 2023. إلا أنه خلال الفترة الأخيرة ابتعد عن موقعه القديم إبّان فترة تحوّل فكري ومصلحي مهم في صميم كبريات كتل الضغط الأميركية.
واليوم يصطف كارلسون، ومعه نفرٌ ممن كانوا في معسكر أقصى اليمين، في طليعة منتقدي سياسة إدارة الرئيس دونالد ترمب، وبالأخص إزاء منطقة الشرق الأوسط، والصراع العربي - الإسرائيلي.
تاريخياً، «الحالة الإسرائيلية» في السياسة الأميركية سبقت بزمن بعيد تأسيس الدولة العبرية عام 1948. وكما سبقت الإشارة في هذا الباب، بالذات، كان «الآباء المؤسِّسون» -أي طليعة الهجرة إلى أميركا الشمالية- قد هاجروا لجملة من الأسباب، بينها الفرار من الاضطهاد الديني. والحال أنَّ جلّ هؤلاء كانوا من الطوائف البروتستانتية المتعدّدة التي نشأت «اعتراضاً» على الكنيسة الكاثوليكية المهيمنة لقرون على معظم الجزأين الأوسط والغربي من أوروبا. وهكذا قرّب الحنين «البروتستانتي» إلى الينابيع فكرة «الثقافة اليهودية المسيحية».
لكن ثمة ثلاث محطات مهمة وأساسية أسهمت في وصول «جلباب» الشرعية الدينية إلى لعب أدوار سياسية مؤثرة في تاريخ الولايات المتحدة، ولا سيما بعد نهاية «الحرب الباردة».
المرحلة الأولى، كانت نجاح القساوسة والتنصيريين المحافظين في تأسيس حركات سياسية التوجّهات لحسم مسألة الغلبة على العملاق الشيوعي في آخر سنوات «الحرب الباردة». وحقاً، تحت قيادة أمثال القسيسين جيري فولويل، وبيل غراهام، فرضت قوى مثل «الغالبية الأخلاقية» وجودها السياسي، بالتوازي مع ترنّح الاتحاد السوفياتي في سنواته الأخيرة. ومن ثم أسهمت هذه القوى في ضمان انتصار رونالد ريغان، وإنهاء التجربة السوفياتية.
بعدها بدأت المرحلة الثانية، مع تيار «المحافظين الجدد». هذا التيار برز كـ«قوة سلطة» فعلية في عهد الرئيس جورج بوش الابن، وكان من وجوهه البارزة بيل كريستول، وبول وولفويتز، وريتشارد بيرل، ودوغلاس فيث، وإيليوت أبرامز، وديفيد ورمزر. ولكن، لئن كانت القوى المحرّكة لـ«الغالبية الأخلاقية» وأدواتها من المسيحيين، كان الحركيون الأبرز بين «المحافظين الجدد» مجموعة من استراتيجيي اليمين اليهودي. ولقد شدّد هؤلاء في «نصحهم» لليمين الإسرائيلي على رفض فكرة «الأرض مقابل السلام» ورفض «حل الدولتين» في فلسطين. وبعدها تضخّم نفوذ «المحافظين الجدد» كثيراً، بعد أحداث سبتمبر (أيلول) 2001، وباشروا رسم خرائط الشرق الأوسط عبر غزو العراق عام 2003، وتأجيج النزاع السني - الشيعي.
أما المرحلة الثالثة، فظهرت في أعقاب انتخاب باراك أوباما -أول رئيس أميركي من أصول أفريقية- في نوفمبر (تشرين الثاني) 2008. إذ استنفر هذا الحدث كل المخاوف والأحقاد الكامنة التي «استترت» بعد انتصار «حركة الحقوق المدنية» في ستينات القرن الماضي، كذلك أدَّى التزايد السكاني السريع نسبياً للمهاجرين -وبخاصة من أميركا اللاتينية، والعالم الإسلامي– إلى ارتفاع المرارة العنصرية ضد ظاهرة الهجرة. وبالتالي استغل بعض مفكّري أقصى اليمين الأبيض ذلك لجعله بنداً أساسياً في حركة «ماغا» التي شكّلت القاعدة الانتخابية للرئيس دونالد ترمب.
عبر هذه المراحل تشكّل تحالف لليمينين المسيحي واليهودي، مدعوماً من طبقة كبار الأثرياء، وأساطين التكنولوجيا المستقبلية، وإعلام جديد. لكن أي صعود بهذا الحجم وهذا الزخم كان لا بد أن يحمل معه تناقضاته، وبذور تشقّقه. وبالفعل، وسط هيمنة واشنطن المطلقة عالمياً، تعدّدت «أجندات» أطراف «التحالف القوي. وأخذت تُطرح تساؤلات لم يسبق طرحها في أميركا، إزاء قضايا حساسة، منها:
- الحرب الروسية الأوكرانية، وتعريف العلاقة مع روسيا.
- مجازر غزة و«مخطّطات» إسرائيلية لمنطقة الشرق الأوسط.
- طريقة التعامل مع الصين.
- تعريف واشنطن علاقاتها مع حليفاتها الأطلسيات والأوروبيات
في الشق الشرق أوسطي برز التساؤل: مَن يؤثر أو يفرض على مَن... أميركا أم إسرائيل؟
هنا، بعض أصوات اليمين المسيحي الأميركي آمنت دائماً بأنَّ الكلمة الفصل يجب أن تظل لواشنطن. لكن هذا لم يكن موقف اليمين الإسرائيلي وداعميه في واشنطن. وبالنتيجة، خرجت أصوات يمينية أميركية مثل تاكر كارلسون، والنائبة السابقة مارجوري تايلور غرين، والمعلّقين نك فوينتس، وكاندايس أوينز، لأول مرة، مهاجمة بنيامين نتنياهو وحكومته.
مع ذلك، لم يصل إلى حد ما وصل إليه كارلسون باتهامه إسرائيل، ليس فقط بجرّ واشنطن إلى حروبها الخاصة، بل بجعلها «إبعاد الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط» في صميم استراتيجيتها الإقليمية!
كارلسون قال أخيراً إنه اقتنع بعد لقائه بالسفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بما يلي:
أولاً: إنَّ الحرب على إيران لا تستهدف فقط إنهاء البرنامج النووي الإيراني، بل أيضاً إنهاء إيران كقوة إقليمية تهدد هيمنة إسرائيل. وثانياً: إضعاف دول الخليج لمنعها من التحوّل إلى دول مزدهرة، ومستقرة، وجذابة للاستثمار. وثالثاً: إخراج الولايات المتحدة نفسها من الشرق الأوسط.
وتابع أنه عندما سأل الرئيس ترمب رأيه في ذلك، أجابه ترمب: «نعم، صحيح... لكن في النهاية كلنا سنموت على أي حال!».
