د. عبد الغني الكندي
رئيس الجمعية السعودية للعلوم السياسية والأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود
TT

النفيسي... سبع مغالطات في سبعين ثانية

استمع إلى المقالة

أرسلَ إليّ أحدُ الأصدقاء مقطعاً مرئياً لا يتجاوز سبعينَ ثانيةً للدكتور عبد الله النفيسي، وردت فيه سبعُ معلومات مضللة؛ بعضُها مُختلقٌ، وبعضُها محرّفٌ، وبعضها نُسبَ إلى مصادر لم تقله أصلاً، وهي ليست كل ما رصدته، وإنما ما اتسعت له مساحة المقال. وقد جرى تداول المقطع على نطاق واسع، ولا سيما في الأوساط الحوثية والمؤيدة لها. والمفارقة أن النفيسي لم يكتفِ بعرضها بثقة قاطعة، بل عاتب الجمهور العربي لأنَّه لم يترجم التقرير الذي زعم أنه اقتبس بعضها منه. وهنا تبلغ المفارقة حدّ العبث والإخلال بالأمانة العلمية، حيث يختلق قصصاً لا أصل لها في المصدر، ثم يوبّخ الجمهور لأنَّه لم يترجم قصصاً وهمية لم تُكتب أصلاً إلا في مخيلته.

فمنذ عام، قال النفيسي في بودكاست «محفوف» إن الباحث جيم كرين، من معهد بيكر بجامعة رايس، نشر تقريراً عن الحوثيين، ونسب إليه خمسة ادعاءات: «تدمير ثلاثين سفينة وباخرة كانت متجهة إلى إيلات تدميراً كاملاً»، و«ضرب حاملة طائرات أميركية»، وإن «روسيا تتصل بالحوثي وتزوده بإحداثيات الملاحة والسفن المتجهة إلى إسرائيل، لإرباك أميركا في المنطقة»، وإن «حركة الشباب الصومالية السنية اتصلت بالحوثي، عارضةً عليه التعاون لتحويل القرن الأفريقي إلى ساحة»، وإن «وضع الحوثي كان جزءاً من المفاوضات الإيرانية – الأميركية حول الملف النووي».

وأتبع ذلك بادعاءين آخرين لم ينسبهما إلى كرين مباشرة. أولهما أن «جزيرة حنيش كانت محطة استراحة وتزويد ومراقبة للسفن، وتفتيش السفن ومصادرة أي بضائع مشبوهة ذاهبة إلى إسرائيل». أما ثانيهما، فهو أن صحيفة «ميدل إيست آي»، حسب وصف النفيسي، «موقع بريطاني تابع للمخابرات البريطانية»، وأنها ذكرت أن «عدد أعضاء الحوثيين كان 220 ألف مقاتل، وأصبح بعد حرب الأسبوعين 350 ألف مقاتل». والمثير للسخرية، أنه اختتم تلفيقاته المركبة بتوبيخ الجمهور على عدم ترجمة مصدرٍ يفضح مغالطاته!

وكأي باحث يهمه مصدر الادعاءات، راجعتُ مباشرةً تقرير جيم كرين الصادر في مارس (آذار) 2024، والتقرير المشترك الصادر في أغسطس (آب) من العام نفسه، فلم أجد فيهما شيئاً من الادعاءات الخمسة التي نسبها النفيسي إليه، وتبيّن أن جميع إحالاته في هذا الشأن مختلقة. ولمزيد من التحقق، تواصلتُ مع كرين مباشرةً عبر بريده الإلكتروني، فأكد أن الادعاءات التي عرضتُها عليه لا تظهر في أعماله. واستكمالاً للتحقق من المصدر مباشرةً، عرضت الجمعية السعودية للعلوم السياسية على كرين استضافته علمياً خلال زيارته المرتقبة إلى الرياض، حتى يتمكن الجميع، بمن فيهم محبو النفيسي، من سماع الحقيقة من صاحب المصدر نفسه، لا من رواية نُسبت إليه ولم يقلها.

وفيما يلي تفصيل الادعاءات السبعة جميعها، بما فيها الادعاءات الخمسة المنسوبة إلى تقرير كرين والادعاءان الآخران:

أولاً، لم يقل كرين إنَّ الحوثيين «دمّروا ثلاثين سفينة وباخرة كانت متَّجهة إلى إيلات تدميراً كاملاً». تقريره ذكر أكثر من خمسين هجوماً حوثياً، بينما أشار التقرير المشترك إلى تعرض أكثر من أربعين سفينة للهجوم «بدرجات مختلفة»، دون أي إشارة إلى تدميرها «كاملاً» كما ادّعى النفيسي. ولعلَّ الأخير التقط رقم «30» من إشارة التقرير إلى مرور 30 في المائة من تجارة الحاويات العالمية عبر البحر الأحمر، ثم حوّل النسبة، بطريقة عجيبة، إلى ثلاثين سفينة مدمرة.

ثانياً، لا يذكر كرين أنَّ الحوثيين أصابوا حاملة طائرات أميركية. فقد زعم إعلامهم استهداف «أيزنهاور»، لكن الاستهداف لا يعني الإصابة. فهذه الحاملة النووية تزن قرابة مائة ألف طن، وتحمل أكثر من ستين طائرة، وتعمل في قلب مجموعة ضاربة تحميها سفن حربية وأنظمة دفاع متعددة الطبقات. ولذلك فإنَّ إصابتها، فضلاً عن تدميرها، حدث عسكري ضخم يستحيل إخفاؤه. كما لم تثبت التقارير إصابة الحوثيين أي سفينة حربية أميركية مباشرةً آنذاك.

ثالثاً، لا يتضمن تقرير كرين أن حركة الشباب الصومالية «عرضت» التعاون مع الحوثيين لتحويل القرن الأفريقي إلى «ساحة» أو لمنع السفن الأميركية والإسرائيلية. تقرير خبراء الأمم المتحدة لعام 2024 تحدث لاحقاً عن مؤشرات إلى تهريب أسلحة، ووجود إمدادات مشتركة، وصلات متنامية، لكنه لم يورد ذلك العرض بالصيغة المسرحية التي نقلها النفيسي، ولم ينسبه إلى تقرير كرين.

رابعاً، الفبركة الدرامية لتقديم روسيا إحداثيات للحوثيين ليست واردة في تقرير كرين أيضاً. والإنصاف يقتضي القول بأن أصلها ورد لاحقاً في تحقيق لصحيفة «وول ستريت جورنال» نُشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، واستند إلى مصادر مجهولة، ومسؤولين أوروبيين قالوا إن موسكو وفرت بيانات أقمار اصطناعية استُخدمت لاستهداف سفن غربية. ليست المشكلة هنا في اختلاق أصل المعلومة، بل في نسبتها كذباً إلى تقرير لم يتضمنها.

خامساً، وصف «جزيرة حنيش» بأنها محطة حوثية للاستراحة، والتزويد، ومراقبة السفن، وتفتيشها، ومصادرة البضائع، المتجهة إلى إسرائيل، يخالف واقع السيطرة الميدانية وقت حديث النفيسي قبل نحو سنة. فقد استعادت قوات الحكومة اليمنية المدعومة من التحالف جزر حنيش في ديسمبر (كانون الأول) 2015، وبقيت خارج سيطرة الحوثيين حتى التطورات العسكرية الأخيرة في سبتمبر (أيلول) 2026.

سادساً، لم يقل كرين إن «وضع الحوثي كان جزءاً من المفاوضات الإيرانية – الأميركية حول الملف النووي». ما ذكره التقرير أن عُمان تؤدي دوراً محورياً في الحوار السعودي مع الحوثيين، وتمثل بصورة غير مباشرة قناةً للرسائل الأميركية إلى إيران.

سابعاً، تضمّنت ادعاءات النفيسي حول إجمالي عدد المقاتلين الحوثيين مغالطات زمنية، وسببية، ومصدرية، وإحصائية. فقد قال إن عددهم كان 220 ألفاً قبل حرب «الأسبوعين»، ثم أصبح 350 ألفاً بعدها. والصحيح أن فريق خبراء الأمم المتحدة قدّر عددهم بنحو 30 ألفاً عام 2015، و220 ألفاً عام 2022، و350 ألفاً عام 2024، أي بزيادة قدرها 130 ألف مقاتل خلال عامين، لا بسبب حرب «الأسبوعين» كما زعم النفيسي. وقد نقل «معهد الشرق الأوسط» هذه الأرقام عن التقرير الأممي، لا عن صحيفة «ميدل إيست آي». ولأن التقديرات استندت إلى إعلانات الحوثيين عن التجنيد، أقر الفريق بتعذر التحقق منها. كما أن رقم 350 ألفاً لا يعني قوةً نظاميةً محترفة، إذ تشمل التعبئة قوات نظامية، وأطفالاً، ومجندين قسراً.

أما زعمه أن المخابرات البريطانية أسست «ميدل إيست آي» وتديرها، فادعاء مرسل بلا دليل. فالمنصة يملك جمال بساسو أكثر من 75% من أسهمها، وهو مدير سابق في قناة «الجزيرة»، ويرأس تحريرها ديفيد هيرست، الكاتب السابق في «الغارديان»، المعروف بمواقف قريبة من التيار اليساري، ويتقاطع خطها التحريري مع تيارات الإسلام السياسي والعقيدة السياسية للنفيسي نفسه.

في الحقيقة، من المؤسف حقاً، أن يظهر متخصص في العلوم السياسية بهذه الصورة المسيئة للبحث والباحثين وخريجي التخصص. فهذا الحقل قدّم مفكرين كباراً ألهموا مختلف العلوم الإنسانية، من هنري كيسنجر، وصمويل هنتنغتون، وزبغنيو بريجنسكي، إلى جوزف ناي، وجون ميرشايمر. وكان تحرّي الدقة في النقل من أسمى سمات إنتاجهم الفكري، وهو من صميم مسؤولية الباحث السياسي خاصةً، ومن أهم أخلاقيات البحث العلمي عامةً.

وتتعاظم المفارقة لأن النفيسي يتابعه الملايين، ويُعدّ من أكثر المتخصصين في العلوم السياسية تأثيراً ومتابعةً في العالم العربي. ومع ذلك، يقدّم مغالطات وقصصاً مختلقةً، ثم يبلغ به الاستخفاف بعقول الجمهور حدَّ توبيخهم، بكل جرأة، على عدم ترجمة نصٍّ لا يتضمن شيئاً مما نسبه إليه، فيقلب المسؤولية رأساً على عقب، من دون أن يتحمل ثمناً معرفياً أو مهنياً لما يقدّمه.

ولا تتوقف خطورة الأمر عند شخص النفيسي، بل تمتد إلى حالة الوعي السياسي العربي، إذ تكشف سهولة تداول هذه الادعاءات بلا تدقيق أو مساءلة عن قابلية مخيفة لتزييف العقل السياسي. فإذا كان بعض من يُقدَّمون بوصفهم رموزاً للفكر السياسي العربي يستبدلون بالتوثيق الثقة في الإلقاء، ثم يكافئهم الجمهور بمزيد من الانتشار، فنحن أمام مؤشر مرعب على تدني الوعي السياسي وتحول الشهرة إلى بديل عن المعرفة.

ويصعب تفسير هذا القدر من التدليس واختلاق القصص بعجز النفيسي عن قراءة الإنجليزية، وهو احتمال أستبعده في حق من حصل على الدكتوراه من الخارج. ومع ذلك، يبقى التساؤل مشروعاً: هل نحن أمام عجز فادح عن قراءة المصادر وفهمها، أم أمام إعادة تركيب متعمدة لها بما يخدم أجندة وموقفاً سياسياً مسبقاً؟ ربما يفسر جزءاً من ذلك أيضاً شعورٌ بانعدام المساءلة، وغياب الكلفة المعرفية والمهنية لاختلاق القصص، في بيئةٍ يحكمها عقلٌ جمعي، يتجه فيها جزءٌ لا يستهان به من الجمهور العربي إلى تصديق ما يؤكد انحيازاته الآيديولوجية أكثر من التحقق من صحة المعلومة. أياً يكن التفسير، فإن النتيجة واحدة: معلومات تُنسب إلى مصادر لا تقولها، ووقائع يُعاد تشكيلها ثم تُقدَّم للجمهور بثقة اليقين. وإذا كشف التدقيق في سبعين ثانية هذا الكم من المغالطات والتلفيقات، فالسؤال الأهم هو: ماذا قد تكشف مراجعة بقية ما يقدّمه؟

ولهذا، وبعد سبع معلومات كاذبة في سبعين ثانية، فقط مما أمكن عرضه، يبدو أن كتاب «تناقضات النفيسي» للكاتب السعودي علي النعيم لم يكن خاتمةً للموضوع، بل مجرد مقدمة.