مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

قراءة في مجلس الملك

استمع إلى المقالة

عن «عالم» الملك عبد العزيز أحدثكم اليوم، والسعودية ما زالت في أجواء الاحتفال باليوم الوطني.

كتب الدكتور تركي الدخيل مقالتَه عن أشياءَ غير ذائعة عن سيرة وشيمِ وعادات الملك المؤسس عبد العزيز، فنقل عن الأديب والمؤرخ والسياسي، خير الدين الزركلي، الذي كان من مستشاري الملك، وهو الدمشقي العروبي الوطني.

قال الزركلي عن طبيعة مجلس الملك: «في المَجلسِ يتلُو القارئُ فصولاً من كتبٍ مختلفةٍ، ثمَّ يدخلُ قارئُ الإذاعةِ العربيةِ فيتلُو مَا التقطَ من محطاتِ الإذاعاتِ الشرقيةِ من متنوّع الأخبار. ويأتِي بعدَهُ قارئُ الإذاعاتِ الأجنبية، وقد ترجمَ أهمَّ ما أُذِيع. ويتكرَّرُ قُرَّاءُ الإذاعاتِ في الضُّحى، وبعدَ العَصر، وفي الهَزيعِ الأوَّلِ من اللَّيلِ. وفي نَحوِ السَّاعةِ العَاشرةِ مساءً ينفضُّ المجلسُ، بنهوضِ الملكِ عائداً إلى داخلِ القَصر، بعد أن يتلطَّفَ بكلماتٍ يختِمُها بتحيةِ الجميع: السَّلامُ عليكم».

وأتبع نقل تركي هذا، بنقل يعززه.

قال الشيخ والأديب السوري - السعودي، علي الطنطاوي، عن مجالس الملك عبد العزيز: «وكنّا نحضر عنده درساً وقراءات جهرية، يُنصَب كرسيٌّ لشيخ يوضع له مصباحٌ إلى جنبه، فيقرأ صفحات من كتاب في التفسير والحاضرون يستمعون، وربَّما علَّق الملك نفسُه على بعض ما قرأ القارئ. وقد لحظت أنَّه يحفظ كثيراً من الأحاديث ومن أقوال الأئمة، وقد يشترك بعض الحاضرين فلا يمنعهم، ومنهم من يعارض رأيَه فيناقشه الملك ويفرّع أوجه الرّد فيقول: أولاً، ثانياً، ثالثاً.. ويقيم أمامه ستاراً من الحُجَج ومن الأدلّة».

هذه النقول هي تمثيلٌ حي لشغف الملك عبد العزيز بالمعرفة والثقافة، والتفاعل الحي مع الأفكار، وترحيبه الجميل بالنقاش وتقارض الأفكار، يصنع هذا جبلة وطبعاً لا تكلفاً ولا تصنعاً.

يفعل هذا وهو يدبر أمرَ المملكة الوليدة، ويحل أعقدَ المعضلات السياسية والأمنية داخل بلاده وخارجها... لأنَّ الرئيس هو الذي يعمل عقله ويتعاهده بالحياة، وحياة العقول هي في تحديها واستفزاز كوامنها وتقليب أوراق الرأي فيها.

العلاقة بين السياسي والثقافة مسألةٌ مبحوثة منذ القدم، والثقافة ليست شكلاً واحداً ولا مظهراً موحداً، كما أنه ليس شرطاً أن يكون السياسيُّ على شرط العلماء المنهجي، وإن وجد زعماء كانوا من العلماء مثل المأمون العباسي، وكان الرئيس المصري الراحل أنور السادات مثقفاً رفيعاً.

بل إنَّ عبد العزيز نفسَه قال لبعض من سأله عن مسألة، وهو غير سعودي، اسأل أخي عبدَ الله، فأنا قد شغلتني الحروبُ والسياسة، يقول هذا رغم ما مرَّ بك هنا عن شغفه بالنقاش العلمي!

حاصل القول، أنَّ إغناء العقل وإثراء النفس يكتسبان بإدمان التفكير والقراءة والتأمل والنقاش، هذا من أسباب الرشد السياسي، والعلم والثقافة كلها خير في خير، للإنسان العادي، وطبعاً طبعاً للإنسان السياسي.

إنَّه نهجُ عبد العزيز الجميلِ والأصيلِ والرشيد، كما هو نهجُ صفوةِ الصفوة من حكام وحكماء العالم.