في المقالة السابقة، الأولى التي أكتبها عن ابن خلدون، ذكرت أن قراءتي الأولى عنه كانت منذ أكثر من خمسين عاماً، وكان ذلك على ما أظن في كتاب «الأيام» لطه حسين. لكني لم أكن متأكداً؛ ولهذا انتقلت لأدخل في الموضوع، وأجَّلت البحث عن مرجعي الأول في التعرف على ابن خلدون. وأياً كان مرجعي، فالعودة للعمل الذي قدّمه عميد الأدب العربي في الموضوع شرط ضروري. وهذا العمل هو رسالته التي حصل بها على الدكتوراه من فرنسا عام 1917، وكان موضوعها «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية»، وقد تُرجمت هذه الرسالة للعربية، وسوف تكون موضوعاً لمقالة حان وقتها.
***
وأعود إلى حديثي السابق الذي دعوت فيه إلى التفكير من الآن في الاحتفال بإحياء الذكرى المئوية السابعة لميلاد ابن خلدون التي تحلّ بعد ست سنوات لأقول إنني حين دعوت إلى إحياء هذه الذكرى لم أكن أفكر في ابن خلدون وحده، بل كنت أفكر في العالم الرحب الذي عاش فيه ابن خلدون وشارك بكل ما كان يملك من قدرات ويسعى للحصول على مكاسب مكَّنته هذه وتلك من أن يزود ما عاشه بما يحفظه لنا وللأجيال التي ظهرت خلال القرون السبعة الماضية وللأجيال التي ستظهر في المستقبل.
لقد زود ابن خلدون التاريخ بحصانة تكفل له البقاء في ذاكرة العالم؛ لأنه لم يكتبه لجيل أو جيلين، ولم يكتبه لناطقين بالعربية وحدهم، وإنما كتبه للناطقين باللغات التي تُرجم لها كتابه. ولن نكون مبالغين إذا قلنا إنه كتبه لكل ناطق بلغة تُقرأ وتُكتب وتتسع للترجمة والنقل. ونحن نجد فيما لدينا من كتابات عن ابن خلدون أن مقدمته الشهيرة وكتابات أخرى له تُرجمت إلى الفرنسية، والألمانية، والإيطالية، والروسية، والإنجليزية، والإسبانية طبعاً، واللاتينية، والتركية وسواها.
وقد ذكرت في المقالة السابقة أن ابن خلدون وُلد في تونس، وتنقَّل في مدن المغرب والمشرق من غرناطة إلى القاهرة ودمشق؛ ولهذا يقول عنه بعض الذين أرّخوا له: «وكان كثير التنقل كالظل»! لكنه كان طرفاً مشاركاً في حياة هذه البلاد خيرها وشرها. وهي تجربة حافلة بالمعرفة أتاحت له أن يؤسس العلم الذي سبق إليه بكل ما حصّله من معارف وخبرات. فهو فيلسوف، ومؤرخ، وفقيه، وقاضٍ، ولغوي، وكاتب، وشاعر. (وهو سفير سلطان غرناطة إلى بيدرو القاسي ملك قشتالة الذي تلقاه بالترحيب والاحترام، ووهبه «بغلة فارهة بمركب ثقيل ولجامين ذهبيين» أهداهما ابن خلدون عند عودته للسلطان، سلطان غرناطة).
وهو بعد استقراره في مصر واحد من كبار الفقهاء الذين صحبوا السلطان الناصر فرج في حملته التي رد بها على هجوم التتار على المنطقة بقيادة تيمورلنك، وفي هذا الهجوم استولوا على مدن عدة في الشام أعملوا في أهلها السيف وخرَّبوها فارتاعت مصر، وخرج جيشها لملاقاتهم وطردهم. لكن السلطان سمع بمؤامرة تدبر لخلعه فعاد إلى مصر، وترك الجيش يواجه التتار في ساحات القتال وفي المفاوضات التي دارت بين الفريقين، وأدى فيها ابن خلدون دوراً مشهوداً غامر فيه بحياته؛ إذ وجد من واجبه وهو مع المصريين المتحصنين في أبراج قلعة دمشق أن يتحدث مع تيمورلنك، لكن كيف والقلعة محاصرة بالأعداء، وأبوابها مغلقة بإحكام. وهنا خطرت لابن خلدون الذي كان في الثامنة والستين من عمره فكرة لا تخطر إلا لشاب مغامر. طلب من الجند المصريين أن يربطوه بحبل ويدلوه حتى يصل إلى حيث يقف التتار الذين يحاصرون القلعة. وبهذه المغامرة المزيفة استطاع أن يقابل تيمورلنك ويفاوضه، ويحصل منه على مرسوم بالأمان!
***
أردت بما قلته في السطور السابقة أن أشير بعبارات خاطفة إلى العالم الذي عاش فيه ابن خلدون، عالم القرن الثامن الهجري – الرابع عشر الميلادي – الذي كانت فيه الدول الكبرى التي بناها العرب المسلمون في المشرق والمغرب من إسبانيا إلى الصين - هذا العالم تحوَّل بالصراعات الدائمة على السلطة فرقاً وفتناً شارك فيها أهله في الداخل: العرب، والبربر، والشراكسة، والصقالبة، فضلاً عن الفرنجة والصليبيين، والنورمانديين الذين انهالوا عليه من الخارج. والنتيجة هي هذه الدول والدويلات التي كانت تزداد كل يوم تمزقاً وانقساماً. العباسيون، والفاطميون، والحمدانيون، والأيوبيون، والأتراك، والمماليك في المشرق، والمرابطون، والموحدون، وخلفاؤهم في المغرب والأندلس.
نحو عشرين دولة! في مثل هذا العدد من المدن الأندلسية: بنو جهور في قرطبة، وبنو عباد في إشبيلية، وبنو زيري في غرناطة. وفي غرناطة استطاع الوزير اليهودي إسماعيل بن نغزالة في القرن الحادي عشر أن يتولى السلطة بعض الوقت، في الوقت الذي قامت فيه الإمارات الصليبية في مدن الشام!
ومن الغريب أن يكون هذا الانهيار المتواصل الذي ضاعت في نهايته الأندلس كلها بعد تاريخ حافل ممتد استمر أكثر من ثمانية قرون تعرَّبت خلالها إسبانيا واعتنقت الإسلام كما حدث في غيرها من بلاد المشرق والمغرب التي فتحها العرب المسلمون – من الغريب أن يكون هذا الانهيار السياسي مصحوباً بازدهار ثقافي أصيل ما زال إلى اليوم حياً ناضراً!
يكفي في الفكر والفلسفة أن نذكر ابن طفيل، وابن رشد. وفي الشعر ابن هانئ، وابن زيدون، فضلاً عن الفن الشعري الذي أبدعه الأندلسيون، وهو فن الموشح الذي اتحد بفن الموسيقى والغناء. وفي العصور الوسطى كان أشهر الجغرافيين أندلسياً وهو الإدريسي، والفلكيين المجريطي. ونحتاج إلى صفحات وصفحات لنحصي مشاهير الأندلسيين في الطب، والزراعة، والرياضيات. ومن الطبيعي في الأندلس وفي غيرها من بلاد العرب المسلمين أن يفوز التاريخ باهتمام الكثيرين؛ لأن الدول تتتابع، والنظم تتغير، والمجتمعات تتطور، والتفكير في الحاضر يستدعي التفكير في الماضي والمستقبل، أي في التاريخ الذي ظهر فيه من الأندلسيين ابن القوطية، وابن الفرضي، وابن بشكوال. ومن المشارقة الطبري، والمسعودي، وابن تغري بردي وسواهم. لكنه لم يصبح علماً تُفهم به حياة الإنسان إلا على يد ابن خلدون الذي شارك في صنعها أيضاً.
ابن خلدون لم يشارك في صنع التاريخ بالكتابة وحدها، بل بالفكر وبالعمل مع سلاطين المغرب والأندلس الذين استعان به معظمهم فرأى كل شيء من قريب ومن بعيد؛ وبهذا تمكّن من اكتشاف علم العمران أو الاجتماع.
كيف نفسر هذه المفارقة التي تبدو أمامنا غريبة؟ انهيار الدول، وازدهار الثقافات؟ أن يظهر ابن خلدون في الوقت الذي كانت فيه الدول تتهاوى وتتمزق في الداخل، وتتعرض للحصار والسقوط والضياع؟!
