مأمون فندي
أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورجتاون سابقاً، ويعمل الآن مديراً لمعهد لندن للدراسات الاستراتيجية. كتب في صحف عديدة منها «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» و«فاينانشال تايمز» و«الغاردين» وبشكل منتظم في «كريستيان ساينس مونوتور»، و«الشرق الاوسط». له كتب عديدة بالإنجليزية والعربية آخرها كتاب «العمران والسياسية: نظرية في تفسير التخلف 2022».
TT

الأمم المتحدة... ما قيمة الحق دون حماية؟

استمع إلى المقالة

كان أسبوعاً صاخباً في نيويورك مع افتتاح جلسات الجمعية العامة، حافلاً بالخطابات؛ بعضها ملهم، وبعضها غارق في البيروقراطية أو المثالية. لكن الواضح أنَّنا أمام مؤسسة دولية نجحت في أن تكون منبراً للخطابة، وتعجز عن تحويل خطابها إلى حماية. وقبل أن نحمّل الفشل كله على مؤسسات الأمم المتحدة، علينا إدراك أنَّ قوة المنظمة وفاعلية قراراتها تعتمدان على استعداد الدول الأعضاء، وخصوصاً القوى الكبرى في مجلس الأمن، لحماية القرارات الدولية وصون شرعيتها بالتزام القانون الدولي؛ فالخطابة لا تكفي.

وتفرض هذه المفارقة خمس قضايا استراتيجية: تآكل الشرعية، وانتقال القرار خارج المؤسسة، وتحويل التمويل إلى أداة إخضاع، وتفكك الترابط بين وظائف المنظمة، وإصلاح موازين القوة والتمثيل داخلها.

ترى، ما معنى أن تقف الأمم المتحدة مع حق فلسطين في الوجود كدولة، أو مع حل الدولتين، وهي عاجزة عن حماية الفلسطينيين من الإبادة؟ وكيف تتحوَّل منصتها إلى مكان يتهم فيه نتنياهو المحتجين على سياساته بالجبن الأخلاقي، بعدما انسحبت وفود عديدة احتجاجاً على كلمته؟ ما قيمة الاعتراف بحق شعب إذا ظلَّ بقاؤه معلقاً بإرادة من يملك السلاح، ولم يبقَ لدى المنظمة سوى الإدانة ومناشدات وقف القتل؟

تكشف هذه الأسئلة جوهر أزمة النظام الدولي: الفجوة بين إعلان الحق والقدرة على حمايته. فالأمم المتحدة ليست حكومة عالمية تملك جيشاً مستقلاً وإرادة تعلو على الدول، لكنَّها ترتيب سياسي وقانوني تعهد أعضاؤه بتحمل مسؤوليات مشتركة. وعندما يعطّل الأقوياء هذه المسؤوليات، ثم يلومون المؤسسة على عجزها، فإنَّهم يحاكمون نتائج سياساتهم ويتنصلون منها.

القضية الأولى هي الشرعية. يستمد القرار الدولي قيمته العملية من احترامه، ومن التكلفة التي يتحملها من يخالفه. وإذا تراكمت القرارات المعطلة، تعلّم القوي أنَّ التجاهل ممكن، وتعلّم الضعيف أنَّ الاعتراف بمعاناته لا يضمن إنهاءها. عندئذ تتفاوت قيمة القانون بحسب هوية صاحبه وحلفائه. واستعادة الشرعية تتطلب آليات متابعة، وجداول تنفيذ، وتدابير دبلوماسية واقتصادية تجعل الانتهاك مكلفاً، بدلاً من مكافأة صاحبه بالوقت.

وفي فلسطين، تعني حماية تقرير المصير حماية البشر والأرض والمؤسسات التي تجعل الدولة ممكنة. فالاعتراف المتزامن مع تدمير شروط قيام الدولة قد يتحوَّل إلى تعويض لغوي عن خسارة سياسية. والامتحان هو منع استخدام زمن التفاوض لتغيير الجغرافيا، بحيث تصبح الدولة المعترف بها اسماً بلا مجال للحياة.

القضية الثانية هي انتقال القرار خارج المؤسسة. فالسؤال ليس عدد الرؤساء الحاضرين، وإنَّما أين تُصنع التسويات، ومن يشارك فيها. حين تتفاوض قلة على مستقبل دولة، ثم تطلب من المنظمة التَّصديق، تتحول العضوية الواسعة إلى جمهور. وقد تكون المفاوضات المحدودة ضرورية، لكن مشروعيتها تستلزم مشاركة أصحاب القضية، وخضوع نتائجها للقانون، وضمانات تنفيذ تخضع للمساءلة؛ وإلا غدتِ الأمم المتحدة مكتباً لتسجيل موازين القوة.

القضية الثالثة هي التمويل بوصفه سلطة. فالجهة التي تستطيع حجب الموارد تستطيع التأثير في الأولويات، حتى دون تعديل الميثاق. وعندما تحل المساهمات الطوعية والمشروطة محل التمويل المستقر، يتَّسع نفوذ المانح على حساب استقلال المؤسسة. المطلوب تمويل يمكن توقعه، والتزام بسداد المستحقات، وشفافية تربط الإنفاق بالنتائج. فالكفاءة ضرورية، لكن اختزال الإصلاح في خفض الميزانيات قد يدمر القدرة التي يُفترض أنَّه يريد تحسينها.

القضية الرابعة هي تفكك وظائف المنظمة. لا يمكن تمويل الإغاثة وإهمال منع الحرب، أو طلب انتخابات دون مؤسسات، أو مطالبة اللاجئين بالعودة دون أمن... هذه حلقات مترابطة، وتعطيل إحداها ينقل التكلفة إلى البقية. والأخطر أن تصبح المساعدات إدارة دائمة لنتائج العنف، في حين يبقى منتجه محصناً. لذلك ينبغي وصل العمل الإنساني بمسار سياسي يحمي الحقوق، مع صون استقلال الإغاثة، حتى لا يصبح الخبز نفسه ورقة تفاوض.

القضية الخامسة هي إصلاح القوة والتمثيل. توسيع مجلس الأمن قد يعالج نقص التمثيل، لكنَّه لا يكسر الشلل إذا أعاد إنتاج الامتيازات نفسها. الإصلاح الجاد يقاس بتحسين القدرة على اتخاذ القرار ومساءلة معطّليه، وبتمثيل أعدل للمناطق المحرومة. ويبدأ بالضغط لتقييد استخدام «الفيتو» في الفظائع الجماعية، وبناء تحالفات تدفع إجراءات قانونية ودبلوماسية متاحة، دون انتظار اتفاق شامل قد لا يأتي.

عربياً، يتطلب ذلك تحويل الحضور السنوي إلى عمل متصل: تنسيق التصويت، وتمويل المؤسسات الضرورية، وحشد الشركاء، وربط العلاقات الثنائية بمواقف عملية تحمي الفلسطينيين. فالأغلبية العددية لا تصبح قوة إلا بالتنظيم والاستمرار والاستعداد لتحمل التكلفة. وهذا يقتضي تحديد المسؤول عن كل التزام، وموارد تنفيذه، وموعد مراجعة نتائجه.

مستقبل الأمم المتحدة يتوقَّف على استعداد أعضائها لتحويل الالتزام إلى قدرة. وعلى إسرائيل أن تدرك أن لهذه السياسات ثمناً سياسياً واقتصادياً وقانونياً لا تستطيع الإفلات منه. حين تصبح التكلفة حقيقية، قد يتغير المشهد كله.

إنَّ الإبادة في غزة كارثة تستدعي مراجعة أسس النظام الدولي. وكما دفعت فظائع الحرب العالمية الثانية إلى بناء مؤسسات وقواعد جديدة، ينبغي أن يدفع ما جرى في غزة إلى واقع يحمي البشر ويحاسب الجناة. فلا يجوز أن تنتهي هذه المأساة ببيان إدانة آخر.