د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

القسط الصباحي

استمع إلى المقالة

في كل صباح، يفتح ملايين البشر علباً صغيرة، ويتناولون حبةَ فيتامين أو كبسولةَ زيت سمك أو ملعقةً من مسحوق البروتين، ثم يمضون إلى يومهم وقد أدّوا ما يرونه واجباً تجاه صحتهم. لم تعد هذه العادة حكراً على المرضى أو كبار السن فقط، بل صارت جزءاً من ثقافة العناية بالذات التي تروّج لها منصات التواصل ونجوم الرياضة، ففي الولايات المتحدة وحدها، يتناول 8 من كل 10 بالغين مكملاً غذائياً واحداً على الأقل؛ وفق مسح حديث لمركز «بيو» للأبحاث، وتزداد النسبة كلما تقدم العمر. والمفارقة أن الأغنى هم الأعلى إقبالاً على هذه المكملات، مع أنهم الأقدر على الغذاء الجيد وعلى زيارة الطبيب. وقد غدت هذه الصناعة سوقاً عالمية تبلغ قيمتها نحو 210 مليارات دولار سنوياً، فكيف تقوم وتزدهر سوق بهذا الحجم على سلعة لا يستطيع مشتريها أن يعرف هل نفعته أم لا؟

قد يبدو هذا الشك انطباعاً متحاملاً، لكن الأرقام تسنده، فقد تتبعت المعاهدُ الوطنية للصحة في الولايات المتحدة نحوَ 390 ألف شخص من الأصحاء لأكثر من 20 عاماً، ولم تجد أن مَن داوموا على الفيتامينات المتعددة عاشوا أطول ممن لم يتناولوها؛ لا في أمراض القلب، ولا في السرطان، ولا في مجمل الوفيات. وقبل ذلك بعامين، خلص «فريق الخدمات الوقائية الأميركي»، وهو الجهة التي يستند إليها الأطباء في توصياتهم، إلى أن الأدلة لا تكفي للقول إن هذه المكملات تقي من الأمراض الكبرى، بل نصح صراحة بتجنب بعضها. ومع ذلك، فإن 62 في المائة من متناولي الفيتامينات يرون أنها مهمة جداً لصحتهم.

في هذه الفجوة بين ما يقوله الدليل، وما يؤمن به المستهلك، تكمن القصة كلها.

ولفهم هذه الفجوة، يقسّم الاقتصاديون السلع 3 أنواع: سلعة تَعرف جودتها قبل أن تشتريها كالملابس، وأخرى تَعرفها بعد التجربة مثل وجبة في مطعم، وثالثة لا تعرف جودتها مطلقاً حتى بعد استهلاكها، وهي ما تسمى «سلع الثقة». والمكمّل الغذائي من هذا النوع الأخير، فهو أشبه ببوليصة تأمين دون عقد؛ تَدفع قسطها كل صباح ولا تَعرف يوماً هل غطّتك أم لا؛ فإن بقيتَ بصحة جيدة؛ نسبتَ الفضل إلى الحبة، وإن مرضتَ؛ قلت إنه لولاها لكان الأمر أسوأ. ويزيد من رسوخ هذا الوهم أن مَن يتناولون المكملات هم في الغالب أعلى الناس عناية بصحتهم أصلاً، فهم يمارسون الرياضة، ويأكلون جيداً، ويبتعدون عن التدخين، فيرون في عافيتهم دليلاً على نفع الحبة، بينما هي في الحقيقة ثمرة نمط حياتهم؛ وهذا مما يجعل هذه السوق محصَّنة ضد خيبة الأمل، فالمشتري الذي لا يستطيع الحكم على السلعة؛ لا يتوقف عن شرائها، بل يعود إليها كل شهر بثقة متجددة.

أما: مَن يربح مِن هذه الثقة؟ فالإجابة تبدأ من قانون أميركي صدر عام 1994، سمح ببيع المكملات دون أن تَثبُت فاعليتُها أو تحصل على موافقة مسبقة، على خلاف الدواء الذي قد يستغرق إقراره سنوات طويلة ويكلّف مليارات، فالشركة لا تحتاج إلى أن تُثبِت أن منتجها يعمل، بل يكفيها ألا يُثبتَ أحدٌ أنه مضر، وبالتالي انخفضت تكلفة دخول السوق إلى حد كبير، وحلّ «التسويق» محل «التجربة العلمية»، وأصبح الغلاف الأنيق والوعد الغامض بـ«تعزيز المناعة» أو «دعم الطاقة» أهمَّ من المحتوى نفسه، بل إن المحتوى ذاته ليس مضموناً، فحين فحص باحثون أميركيون 57 مكملاً رياضياً، وجدوا أن 40 في المائة منها لا تحتوي أصلاً المكوّنَّ المكتوب على العلبة. وقد يتجاوز الضرر المال؛ إذ ترصد المستشفيات الأميركية آلاف الزيارات الطارئة كل عام بسبب آثار جانبية لمكملات إنقاص الوزن، والطاقة. وحين تُباع سلعة لا يمكن التحقق منها لمن يقدر على ثمنها لا لمن يحتاج إليها، فإن السوق في الحقيقة لا تبيع الصحة، بل تبيع الطمأنينة.

غير أن الإنصاف يقتضي ألا توضع المكملاتُ كلها في سلة واحدة، فبعضها أثبت نفعه بما لا يقبل الجدل، مثل حمض الفوليك الذي يُنصح به قبل الحمل للوقاية من تشوهات الأجنة، وفيتامين «د» لمن يعاني نقصه... بل إن الولايات المتحدة حين ألزمت مطاحنها عام 1998 إضافةَ حمض الفوليك إلى الدقيق، انخفضت إصابات المواليد بتشوهات الأنبوب العصبي بنحو 36 في المائة، وهذا دليل على أن المكمّل حين يوجَّه إلى حاجة حقيقية يصنع فارقاً يمكن قياسه.

وتُدافع الصناعة عن نفسها بأن المكملات تَسد ثغرات الغذاء الحديث، وبأن الطمأنينة ذاتها قيمة يحق للمستهلك أن يدفع ثمنها، كما يدفع ثمن أي سلعة تمنحه شعوراً بالرضا.

والفارق في النهاية ليس بين المكمّل ونقيضه، بل بين طريقتين في الشراء، فمن يتناول فيتامين «د» بعد تحليل دم كشف عن نقصه؛ فهو قد اشترى علاجاً يعرف سبب شرائه ويستطيع قياس أثره، ومن يملأ رفّ مطبخه بعلب متعددة لأن إعلاناً أقنعه بأنها تحميه؛ فإنه يشتري طمأنينة في علبة، وقد يكون ذلك خياراً مشروعاً ما دام يعرف ما يدفع ثمنه.

أما الدرس الذي تقدمه تجربة الأغذية المدعّمة، فهو أن الصحة العامة تُبنى بقرارات مدروسة تصل إلى الجميع، لا بعلب تُشترى فرادى وفق ما يَقدر عليه كل جيب... وحين تمتد يدك إلى العلبة صباح الغد، فاسأل نفسك: ماذا تشتري كل صباح؛ دواءً أم شعوراً؟