أوَّلُ هذا الشهر، كنت قد دعوتُ من على منبر مؤتمر حوار الأمن والتاريخ، الذي أعدّته وزارة الداخلية السعودية في الرياض، إلى وجوب إنشاء مركزٍ أو أكثر للدراسات حول الهوية الوطنية. والهدف هو بناء معرفة معمقة بالهوية الوطنية ودعم صنع القرار الثقافي والاجتماعي. من خلال آلياتٍ، منها: البحوثُ العلمية، وتقاريرُ ميدانيةٌ ودراساتٌ عن السمات الثقافية والاجتماعية للهوية السعودية، وبناء أرشيف رقمي؛ لتوثيق المصادر التاريخية والشهادات الشفوية من مختلف مناطق المملكة، وورش عمل، ومبادرات تعليمية لتعزيز الفهم الوطني بين الأجيال.
هذا المركز يعتمد كل آليات الجذب والتواصل والتفاعل مع المفكرين والأكاديميين، واستقطاب الكفاءات الفكرية من أكاديميين وباحثين من خلال التعاون معهم، عبر «نشر مقالات، ترجمات، إلقاء محاضرات، المشاركة في ورش عمل أو مؤتمرات»، التعاون مع أسماء ورموز أكاديمية من مختلف الفئات من خلال التعاون معهم بصفة مستشارين.
المركز يشرف على نشر عدد كبير من الإصدارات المنوعة، من خلال إدارة خاصة في المركز، وفق معايير عالية جداً من التحرير والإخراج.
أما الأهم فهو الاستثمار في الإنسان نفسه، من خلال تأهيل الكوادر فكرياً، وعقد دورات تدريبية وحلقات نقاش مفتوح، وورش عمل حول التأهيل القيادي، والتدريب على وسائل التواصل الاجتماعي.
هذه بعض «الفوائد» العملية المباشرة لمن يظن أن الحديث عن مركز دراسات مجرد ترف نظري وثرثرات «ديناصورات» ثقافية، كما يقول بعض سفهاء السوشيال ميديا. غير أن الذي أراه أهم من هذا كله، وأبقى أثراً، وأعظم خطراً، بالمعنى الإيجابي، هو بناء عمارة فكرية شامخة الرأس راسخة الأساس حول «الهوية» الوطنية، ما منابعها؟! وما مسالكها؟!
في السعودية مثلاً: علاقة التاريخ بالدين والعروبة والعالم؟!
الرؤية الوطنية حين انطلقت مسيرتها المباركة، تضمنت سؤال الهوية وخطوطها وخيوطها وخططها، من الجغرافيا للديموغرافيا، من الزمن للمكان، من الحجر للبشر، من العناصر الحضارية القديمة جداً (الأنباط والعلا مثلاً) مروراً بالإسلام الذي ولد على هذه الأرض إلى العصر الحديث عصر الدول والقوانين... وصولاً اليوم على عالم الذكاء الاصطناعي.
من يراقب بعض الجدل، الذي أكثره فارغ وبعضه نافع، في السوشيال ميديا، يجده مشدوداً بحبل، بل حبال مسألة الهوية (اللبس والأزياء، الطعام، الموسيقى... مثلاً) وكل «يهبد» حسب هواه.
لذلك، فإنَّ إنشاء مركز أو مراكز تبحث هذه المسائل هو ضرورة وليس ترفاً، بشرط توفر مناخ الإنجاح لهذه المراكز، بالاستدامة المالية وحرية البحث والسؤال.
فكرة مراكز الدراسات وسبل نجاحها وتأثيرها هو وجود إيمان بها، كبار يرعونها، استقلال مالي دائم، تأثير واضح على عمليات التفكير وبناء الأفكار، منتجات دائمة ومتطورة، تفاعل حي مع الجهات المستهدفة.
