في نهاية الأسبوع الماضي، نشر موقع «دويتشه فيلَّه» الألماني تقريراً عنوانه «دينا عزت مقابل رواية الداخلية... مَن يكسب ثقة المصريين؟».
يا له من عنوان مثير! وكيف لا؟ فدينا عزت ليست سوى امرأة مصرية تبلغ من العمر 23 سنة، وليس لها أي منصب ولا وظيفة معروفة، ولكن العنوان وضعها في منافسة متكافئة مع «رواية الداخلية»؛ أي مع كلام رسمي صادر من مؤسسة سيادية في دولة كبيرة وعريقة كمصر.
الحكاية ببساطة أن دينا عزت خرجت على أحد تطبيقات وسائل «التواصل الاجتماعي» لتشكو من «انتهاكات مزعومة» قامت بها وزارة الداخلية المصرية إزاء زوجها الذي وصفته بأنه بائع متجوِّل. وفي هذه الشكوى التي سرعان ما تناقلتها الوسائط وتفاعل معها الجمهور، روت دينا ما قالت إنها «انتهاكات» أخرى قامت بها عناصر الشرطة «حين اقتحمت منزلها، واستولت على ممتلكات تخصُّها».
سيقول البعض إنها قوة «السوشيال ميديا» الجبارة، ودينامياتها الفائقة، التي منحت صوتاً لمن لا صوت له، وجعلت من امرأة «مقهورة» مكافئاً ومعادلاً لقوة جهاز ضخم، يعمل فيه الآلاف، ويعرف تنظيماً صارماً، ويتحلى بسمعة مؤسَّسية قوية.
وفي المقابل، سيرى آخرون أن ما جرى في هذه الواقعة ليس سوى عنوان لأزمة كبيرة سببها طاقة الخوارزميات، ونفوذ «السوشيال ميديا» الطاغي، الذي أصبح يُوجَّه لزعزعة الثقة العامة، وتدمير سمعة الناس والمؤسسات، وإشاعة الفتن، والترويج للفوضى والاحتجاج.
لقد بادرت وزارة الداخلية المصرية بإصدار بيان شرحت فيه الوقائع محل الخلاف من وجهة نظرها، وسعت فيه لتفنيد رواية دينا، ووصفت زوجها بأنه «مروِّج مخدِّرات»، ولكن الانقسام ظل قائماً في شأن الروايتين، وهو الانقسام الذي عرفه العالم، وجرَّبه في دول عديدة، منذ باتت «السوشيال ميديا» لاعباً رئيساً في صياغة إدراك الجمهور حيال الوقائع والأفراد والمؤسسات.
لا يمكن تناول هذه الواقعة تحديداً بمعزل عن وقائع أخرى مشابهة جرت في دول كثيرة على مدى نحو عقدين؛ فقد حدث مثل ذلك تماماً في سنتَي 2010 و2011، في تونس وليبيا ومصر، حين كانت تدوينات على بعض الوسائط من أسباب اشتعال الانتفاضات التي قادت إلى تغيُّرات سياسية هائلة.
وحين ضربت جائحة «كوفيد-19» العالم في مطلع هذا العقد، كانت وسائط «التواصل الاجتماعي» عاملاً جوهرياً في تشكيل أنماط الاستجابة للجائحة، أو تأجيجها، وإرباك خطط التعامل معها، وهو أمر حدث في دول العالم المتقدمة كما حدث في المناطق الأقل نمواً.
وفي 2016، كان دور هذه الوسائط في التأثير في توجهات الناخبين البريطانيين عاملاً لا يمكن إغفاله في نتائج تصويت «بريكست»، ثم جاءت انتخابات 2020 في الولايات المتحدة لتُكرِّس الدور القوي لتفاعلات «السوشيال ميديا» في التأثير في مجريات العملية الانتخابية، ونتائجها، والانطباعات الماثلة عنها.
وفي انتخابات الرئاسة البرازيلية 2022، اتَّفق عدد كبير من الباحثين مع نتائج دراسات علمية أفادت بأن تلك الانتخابات اتَّسمت بقابلية كبيرة للتأثر بتفاعلات «السوشيال ميديا»، وهو الأمر ذاته الذي كان حاضراً بقوة في تحليلات الانتفاضة اللبنانية في 2019، وما تلاها من احتجاجات أخرى في عدد من البلدان.
يقودنا ذلك إلى محاولة تحليل الدور الذي باتت تلعبه وسائل «التواصل الاجتماعي» في تشكيل عناصر إدراك الجمهور، وبالتالي مواقفه وسلوكه إزاء التطورات المجتمعية في مختلف دول العالم. وهو دور يبدو أنه بات حاكماً ومؤثراً، حتى إنه بلغ القدرة على تفتيت الروايات الرسمية، أو زعزعة الثقة فيها، أو جعلها قابلة للمنافسة من قِبَل روايات فردية، بعضها بلا حجج قاطعة ولا دلائل كافية.
لقد كسرت الوسائط النشطة الجديدة احتكار المعلومات من قِبَل المصادر الرسمية إذن، وأضحت أيضاً قادرة على صناعة روايات منافسة تحظى بمؤيدين ومتعاطفين، وحوَّلت الشك من مفهوم شخصي منفرد إلى حالة جماعية، يمكنها أن تصنع التأثير والتغيير. وهي في طريقها لتحقيق ذلك، استطاعت أيضاً، في بعض الأحيان، أن تُقوِّض «سُلطة التصحيح».
سيمكن القول إن الروايات الفردية التي تستهدف الثقة العامة، وتؤجِّج التمرُّد والاحتجاج، وتبعث على الشك في سلوك المؤسسات، إنما تستفيد من عوار موجود في أداء تلك المؤسسات نفسها، وتبني على وقائع سابقة، وتستثمر إخفاقاً في تلبية توقعات المواطنين، ولكن هذا كله لن يكون كافياً لغض الطرف عن قدرتها المُذهلة على الاختلاق والتزييف، والتلاعب بمشاعر الجمهور، والتوظيف المُغرض، في حالات كثيرة.
وحينما يُكتب تاريخ العالم في هذه الحقبة التي نعيشها راهناً، لن يكون بوسع مؤرخ مُدقِّق أن يتجاهل كيف بات الإنسان الفرد العادي، عبر تلك الوسائط، قادراً على تحدي سُلطة المؤسسات، ومنافستها في اختبار الثقة. وهو أمر سيعيد تعريف معنى السُّلطة، وسيُزعزع «ثوابت» كثيرة.
