نبيل عمرو
كاتب وسياسي فلسطيني
TT

نتنياهو يُقرُّ بمآزق إسرائيل... ولا مخارج منها

استمع إلى المقالة

في إسرائيلَ يعتبرون نتنياهو الخطيبَ الأوَّلَ؛ خصوصاً حين يتكلَّم بالإنجليزية أمام المحافل الدولية، وفي السياسة والحكم فهو الملك الذي يقرُّ خصومُه قبل أنصاره ببراعته؛ ليس فقط في الوصول إلى القمة؛ بل وفي الاستقرار عليها.

قبل وأثناء خطابه المطوَّل أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تضافرت وقائعُ كثيرة أفسدتِ المناسبة، أهمها إلقاء خطابه أمام مقاعد فارغة، وإلغاء جميع فقرات برنامج زيارته، بما في ذلك لقاؤه مع الملياردير إيلون ماسك، وكذلك موقف نيويورك المتجدد منه، بعد أن كان يتعامل معها كمستوطنة خالصة الولاء له ولدولته. وفي زمن ممداني صار مستحيلاً عليه مجرد المشي في شوارعها!

إقرار نتنياهو في خطابه المطوَّل بواقع إسرائيل التي تحارب على جبهات عدة، وإقراره كذلك بمواصلة الحرب كخيارٍ لا بديل عنه، جسَّد ودون اعترافٍ صريحٍ باستحالة الحسم ولو في واحدة منها، أنَّ الدولة التي يتباهى بجيشها الذي لا يُقهَر، أنجزت بالفعل أعمالاً حربية، ولكنَّها أقرب إلى المذابح والإبادة منها إلى المعارك العسكرية المنتصرة، فما قيمة الحروب والقتل والإبادة والدمار الشامل إذا لم تفضِ إلى نتائج سياسية، مقياسها استسلام الخصم، وتحقيق الأهداف المحددة منها. وإذا ما وُضِعت هذه الأهداف على الميزان، فأين الانتصار المطلق الذي بشَّر به؟ وأين قيادة إسرائيل للشرق الأوسط والمشاركة في قيادة العالم؟!

خطاب نتنياهو الذي مُنح وقتاً لم يُمنح لغيره، لم يتضمَّن جملة مفيدة تشير إلى أنَّ لديه مخارجَ واقعية من أزمات إسرائيل الداخلية والخارجية، غير أنَّه بشَّر متابعيه في إسرائيل ويهود العالم بأن يظلُّوا تحت تهديدٍ كوني مزعوم، ولا خيار أمامهم سوى البقاء تحت السلاح إلى ما لا نهاية.

سيجد نتنياهو في إسرائيل وفي زوايا كثيرة من أميركا وأوروبا مَن يشتري بضاعته، ولكن ما هو حجم التأثير الفعلي لخطابه؟ هذا ما سوف تحسمه صناديقُ الاقتراع في إسرائيل؛ حيث مصيره المتأرجح بين رئاسة جديدة للحكومة أو ذهاب إلى البيت أو السجن، أو في أفضل الأحوال إلى مقاعد المعارضة.

نتنياهو مسكونٌ بافتتانٍ بالذات، تميَّز به عن كل سابقيه من قادة إسرائيل؛ حتى التاريخيين منهم. لم يكتفِ بتكتيكاته المبتكرة للوصول إلى القمة، ولا بما يتطلبه الاحتفاظ بها من سلوكياتٍ أساسها قدراته المتفوقة في تهميش الآخرين من حزبه ومعارضيه؛ بل تجاوز ذلك إلى الحد الذي عمل على تطويع الدولة لمصلحة بقائه على القمة، ولم تتبقَّ أي مؤسسة سيادية في الدولة إلا وأخضعها لرغباته ومصالحه، حتى صارت الدولة التي كان يصفها بأنها واحة للديمقراطية والحوكمة النموذجية، أقرب إلى ممتلَك شخصي، وقد بلغ به الجشع السلطوي حدَّ تدمير القضاء كي ينجُو من المساءلة!

نتنياهو في خطابه، المكتوب منه والمرتجل، وبلغة اللسان والجسد، وكثير من الحركات المسرحية، أظهر قلَّة كفاءة في فهم ومعالجة التحوُّلات العميقة التي تحيط بالدولة العبرية، وخصوصاً في أميركا التي تهاوت فيها شعبية إسرائيل إلى الحضيض؛ ليس فقط بفعل ما لا يستطيع الضمير الإنساني تحمُّله من مشاهد القتل الجماعي، والتدمير الشامل لغزة، وإطلاق يد عصابات اللصوص والقتلة في الضفة الغربية، وإنما بفعل اتهام قوي انتشر في الأوساط الأميركية الحزبية والشعبية لنتنياهو شخصياً، بتضليل الرئيس ترمب، وجرِّه إلى حربٍ كان ممكناً تفاديها بقليلٍ من التفكُّر والتبصُّر، حتى سُمِّيت اِلحرب على إيران وفي أوساط أميركية فعَّالة ونافذة، بحرب نتنياهو الشخصية. وهذا اتهامٌ يحدث لأول مرة في تاريخ العلاقات الأميركية الإسرائيلية.

عاد نتنياهو بعد إكمال خطابه إلى إسرائيل، كأنَّ ما حدث كان وقتاً مستقطَعاً من حملته الانتخابية التي وضع كل رصيده وما تطوله يداه من أرصدة الدولة بتصرفها.

إسرائيل وهي في طريقها للانتخابات العامة وجدت نفسها أمام ثلاثة احتمالات: الأول إطاحة نتنياهو وائتلافه، والثاني حدوث معجزة توفِّر له فوزاً في الانتخابات، والثالث أن يأتي ائتلافٌ يواصل سياسة نتنياهو ولكن بواجهة ولغة مختلفة.

صندوق الاقتراع سوف يقرِّر أي الاحتمالات ستتحقق، فإما أن يكون خطاب نتنياهو من الماضي، وإما أن يكون بياناً للمستقبل.