الحكم «عنوان الحقيقة»، هكذا يقول أساتذة وفقهاء القانون، بينما من الممكن للوسائط الاجتماعية أن يصبح لها رأي آخر، ويتم الترويج لحقيقة أخرى، تصبح هي الأكثر انتشاراً.
قالت محكمة القضاء الإداري إن فيلم «الست» لا يتضمن أي مشاهد تسيء لسيدة الغناء العربي، أم كلثوم، أو أفراد أسرتها، وقدَّمهم في صورة مشرّفة، وأغلق تماماً ملف تلك القضية.
كان عدد من أحفاد «الست» قد أقاموا تلك الدعوى، وطالبوا أيضاً بتعويض، رغم أن عدداً آخر من أحفادها دافعوا عن الشريط السينمائي، ووجدوا في تفاصيله إشادة بأم كلثوم.
عند عرض الشريط، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تباينت الآراء، وهذا وارد جداً، بل مطلوب أيضاً، إلا أن ما هو مزعج وغير مشروع، تحت أي مسمّى، اتهام صُنّاع الفيلم في وطنيتهم. تبايُن قراءة العديد من الأعمال الفنية، ورفض أي فيلم، مهما بلغ نجاحه الأدبي أو المادي، وارد، فيلم «الأوديسا» لكريستوفر نولان، أحد أهم أساطين السينما في العالم، حقّق أرقاماً قياسية دخلت تاريخ السينما العالمية؛ هناك من يراه فيلماً متواضعاً، وتلك الأرقام في الشبّاك لا تعبر عن نجاح حقيقي، ولكن مجرد إبهار تقني زائف، كل هذا يقع في إطار النقد، ومهما اشتطَّ مباح، إلا أن الدخول للنيات، واعتبار الفيلم سلاحاً لاغتيال قيمة مثل أم كلثوم أطلقنا عليها «الهرم الرابع»، ولها مكانة خاصة في ضمير كل العرب، أراه خروجاً عن كل القواعد النقدية وغير النقدية في قراءة الأعمال الفنية.
أغلبنا لديه صورة ذهنية عن أم كلثوم، ربما لعب مسلسل «أم كلثوم» الذي أخرجته إنعام محمد علي وبطولة صابرين، دوره في ترسيخ تلك الصورة لدى القسط الأكبر من الجمهور.
الفيلم حاول أن يقترب بقَدْر من الحذر، من الإنسانة أم كلثوم، شاهدناها في لقطات تدخّن سجائر، عندما كانت في حالة مزاجية غير سعيدة، قالوا إن أم كلثوم لا تدخّن، رغم أن لها صوراً متداولة، كثيراً ما نُشِرت في حياتها وهي تدخّن، وفي مصر كانت النساء يدخّنَّ في الحفلات العامة، حتى النصف الأول من الستينات، وحفلات أم كلثوم التي احتفظت الشاشات العربية بكثير منها تشهد على ذلك.
الفيلم تناول بتحفُّظ الوجه العاطفي لأم كلثوم، وقدَّم علاقتها الأسرية بلمحات سريعة، إلا أنه في الوقت ذاته حرص على أن نرى أم كلثوم الإنسانة؛ هل هناك مَن استشعر أنها لم تُوقِّر مثلاً أباها؟! لقد ظلَّت حتى بعد رحيله تتخيل وجوده في كل الحفلات التي أحيَتْها، وكأنها تقول للجميع إن هذا الرجل شيخ الجامع البسيط أنا مدينة له بكل المجد الذي حققتُه.
تلقَّت منى زكي، التي أدَّت دور أم كلثوم، قسطاً وافراً من الهجوم الضاري. من الممكن أن تنتقد الأداء الصوتي أو الحركي لمنى، هذا حق لكل مَن شاهد الفيلم، ولكن انتهاك الضمير الوطني لأي إنسان خط أحمر.
يعتقد البعض أن الورثة هم فقط أصحاب الحق في الموافقة أو الرفض، بينما القانون يتيح تقديم السيرة الذاتية من دون الحصول على ضوء أخضر حتى من الورثة، بشرط ألا تقدّم أي إساءة تمس الحياة الشخصية أو المهنية.
هل يكفي أن يصبح الحكم عنواناً للحقيقة ليصدق الناس الحقيقة؟ التجربة العملية أثبتت أن أصحاب الصوت الأعلى عبر «السوشيال ميديا» من الممكن أن يصنعوا هم الحقيقة التي تحلو لهم!
