غسان شربل
كاتب وصحافي لبناني. رئيس تحرير «الشرق الأوسط» منذ 2016. ترأس تحرير صحيفة «الحياة» ومجلة «الوسط» سابقاً. بدأ عمله في صحيفة «النهار» محرراً ثم معلقاً في قسم الشؤون العربية والدولية، وانتقل إلى وكالة الصحافة الفرنسية، ومنها إلى صحيفة «الشرق الأوسط».
TT

الخريف والشهداء و«الحديقة الأخيرة»

استمع إلى المقالة

أقسى العقوباتِ أن ينساكَ العالمُ أو يعتبرك مريضاً لا أملَ بشفائه. ويضاعف الأمرَ افتقارُك إلى الأوراق. لا مضائق لديك تهدد بإغلاقها ولا برنامجاً نووياً تلوح برفع نسبةِ التخصيب فيه. وسط انشغالِ العالم بالمضائق والترسانات يستكمل جيشُ نتنياهو جريمتَه الكبرى منفذاً حكمَ الإعدام بعشرات القرى في جنوب لبنان. ذنبها كما يزعمُ أنَّها اسْتُخدمت في شنّ هجماتٍ على إسرائيل. قتل البيوت وقتل أهل البيوت ولم يرحمِ الأشجار. كأنَّه يريد منعَ أي شاهد من الإدلاء بإفادته أمام محكمة التاريخ إذا انعقدت ذات يوم. يتذرَّع هذا الجيشُ الموتور بأنَّ «حزب الله» كان المبادر إلى إطلاق الحرب مرةً لإسناد غزة غداة «طوفان السنوار»، والثانية ثأراً للمرشد علي خامنئي الذي اغتالته إسرائيل. ويقول صراحة إنَّ على لبنان أن يدفع ثمن خسارته للحرب.

في الطريق إلى صيدا بوابة جنوب لبنان لم يبخل الخريف بأمطاره الأولى. استيقظت في ذاكرتي مشاهدُ قديمة. ذات يوم بعيد كنت متجهاً إلى مقر الصحيفة وشاهدت أمطارَ الخريف تنقضّ عنيفة على بيروت. شاهدتها تقتلع صور الشهداء عن جدران المدينةِ وتنتزع مفرداتِ من الشعارات الحماسية التي دبَّجها المحاربون وتوهموا أنَّها ستقيم إلى الأبد. ومنذ تلك الأيام ارتبطت صورُ الشهداء في خاطري بأمطار الخريف التي تطارد صورَهم التي لن تبقى معلقةً إلا في جدران بيوتهم وأحزان أمهاتهم.

كأنَّ هذه الأرض مصابة بعطش لا ينتهي. تشرب دمَ جيل ثم تجدد شوقها إلى دم جيل آخر. صحيح أنَّ الأوطان تحتاج أحياناً إلى شهداء لتسترد أرضها وسيادتها وقرارها المستقل، لكن الصحيح أيضاً هو أنَّ دورَ الأوطان لا يمكن أن يقتصر على إنجاب الشهداء وتوديع الشهداء. الوطنُ فرصة حياة وتقدم. الوطنُ ليس مصنع شهداء وجنازات.

أقول الشهداء وأعني كلَّ الذين قدَّموا أرواحهم في حروب كثيرة. حرب على تلة في الجبل. أو على خط تماس في بيروت. وفي المدينة التي كانت منقسمةً كان الخريف يهاجم صور كلّ الشهداء على اختلاف ميولهم وشعاراتهم المتقاتلة. وكان من عادة المدينة أن تنسى شهداءَها. وأن تستقيلَ من أفعالهم كأنَّهم تسرَّعوا حين ألقوا بأعمارهم الطريَّة في النار التي كانت تخبو وتذهب في عطلة ثم تعود لتعاود الاشتعال. وكانَ قادة الأحزاب والميليشيات يتعهَّدون بعدم نسيان الشهداء، لكن للأوطان ذاكرة تنسى. لا يبقى من الشهداء إلا الحزن الذي يفترس أيام الثكالى والأرامل والأيتام.

استهوتِ الحرب اللبنانيين. اندفعوا في حروبهم وفي حروب الآخرين. حلموا بالانتصار المدوي والضربة القاضية وعادوا خائبين. تركيبة لبنانَ لا تسمح بهذا النوع من الانتصارات. تسمح فقط بشبه انتصار يفتح الباب لحرب مقبلة. أتذكر الآن حواراً مع جورج حاوي الذي شارك في إطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» ضد إسرائيل في 1982. أرسل الشبانَ لمقاومة الاحتلال وأرسلهم أيضاً إلى حروب الداخل. وفي النهاية كان حاوي نادماً على الانخراط في الحروب بين اللبنانيين، وفوجئت به يقول: «ليتنا لم نطلق أي رصاصة». كانت أحلام القائد الشيوعي تمتدّ من بيروت إلى موسكو. استنتج بعد التجارب المكلفة أنَّ المهمة الكبرى هي الحفاظ على «حديقة أخيرة» اسمها لبنان.

لا يملك أيّ لبناني حديقة أخيرة غير لبنان مهما كانت هذه الحديقة هشّة ومرتبكة ولا تسمح بارتكاب الأحلام الكبرى. لا يملك الماروني حديقةً أخرى. ولا يملك السني غيرَها. والأمر نفسه بالنسبة إلى الشيعي والدرزي. على مدى عقود ارتكبت المجموعات اللبنانية مداورةً رهانات تفوق قدرة لبنان على الاحتمال. تقول التجارب إنَّه كلما استقوى طرف لبناني بحليف إقليمي ودولي لإضعاف موقع شريكه في الوطن، اندلعت النار وازداد لبنانُ تفككاً وازداد المتحاربون ضعفاً رغم تعاطيهم المنشطات والأوهام. يقيم لبنان حالياً تحت ركامه بعدما راهنت مجموعاتٌ لبنانية على التنظيمات الفلسطينية وإسرائيل وسوريا وإيران.

منذ نصف قرن وقع لبنان في خريف عنيف دائم. تساقطت أوراق شجرة التعايش. وأوراق مميزات لبنانَ ودوره السياسي والمصرفي والتعليمي والسياحي. تكلَّست أغصان شجرة الدولة وفاحت رائحة «الساحة اللبنانية». تساقطت أوراق الأمل وسلك الشبابُ اللبناني طريق الهجرة. أضاع اللبنانيون الفرصة التي شكلها اتفاق الطائف واستأنفوا رحلتهم نحو الهاوية.

يقيم لبنان حالياً في مأزق غير مسبوق. خسر الحربَ وإسرائيل تحتل بعض أرضه وقد حوَّلتها أرضاً محروقة وتتوعّد بالمزيد. السفير الأميركي في لبنانَ يقول صراحة إنَّ إسرائيل ليست في وارد الانسحاب من الأراضي التي تحتلها ما لم يتم نزع سلاح «حزب الله». أي قراءة هادئة للموقف الدولي عموماً تقود إلى الاعتقاد بأنَّ ثمة إرادة دولية بخروج لبنان من الشق العسكري في النزاع مع إسرائيل. التقطَ الرئيس السوري أبعادَ المناخ الدولي الجديد وحقيقة ميزان القوى وعدوانية إسرائيل وعقيدتها العسكرية الجديدة، فاختار شعار «سوريا أولاً»، وهو يشبه إنقاذ «الحديقة الأخيرة».

لا تملك الدولة اللبنانية حلاً سحرياً للخروج من المأزق. لا تملك غيرَ الرهان على قدرة ترمب على ممارسة الضغوط على نتنياهو إذا ما استطاع لبنان استجماعَ شروط العودة إلى دولة تحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم. في المقابل، يقرأ «حزب الله» الأوضاع بصورة مختلفة، ويستمر في رهانه على إيران والتسوية التي يمكن أن تبرمها مع أميركا. يرفض «حزب الله» التوقف ملياً عند حجم التغيير الذي طرأ على قوته ودوره الإقليمي بعدما غادرت سوريا محورَ الممانعة. يرفض الحزب وبعد عامين من غياب أمينه العام التاريخي حسن نصر الله الالتفاتَ إلى أنَّ أكثرية لبنانية لا تؤيد إبقاء لبنان معلقاً على نار حروب الإقليم.

يبدأ لبنان رحلةَ العودة إلى الدولة التي تتَّسع للجميع أو تتعمَّق جروحه في الخريف. استمرار التفكك والضياع ينذران بهبوب رياح الخريف على التركيبة اللبنانية نفسها. بتبديد دم جميع الشهداء بلا استثناء. وحدها الدولة التي تستحق التسمية تحفظ دمَ الشهداء من الضياع. لا يحق للبنانيين نحر حديقتهم الأخيرة.