إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

سياسة الهمبرغر

استمع إلى المقالة

افتتحت السفيرة الأميركية في بغداد أكبر مطعم للهمبرغر في الشرق الأوسط. كذا مائة متر مربع وطابقان ومصاعد. جاء هذا في تقرير عرضه التلفزيون الفرنسي. منذ سنوات والفرنسيون ينظرون بعين التوجس والحسد، إلى هذه الوجبة. فهي نافست، بل تفوقت على شطيرة رغيفهم المحلي الشهير المدهون بالزبدة مع شرائح اللحم المقدد. كما أنها سرقة سافرة لأصابع البطاطا المقلية المسجلة باسمهم.

يطرح صاحب التقرير أسئلته على مدير المطعم المفتتح حديثاً في العراق. يريد أن يعرف منشأ المواد التي تُصنع منها الشطائر. هل اللحوم من منتجات البلد؟ لكن المدير يتملص من الرد. يقول إنه ليس من سياساتهم كشف مصادر وجباتهم. لكنه يؤكد أنهم يحترمون تماماً عقائد البلد. أي أن اللحوم حلال.

كنا نسمّيها لفّة ثم تحولّتْ الألسنة إلى «ساندويتش». تسمية لم تعد تقتصر على الوجبات المستوردة، بل راحت تشمل لفائف الفول والفلافل. ثم اجتهد المشتغلون باللغة وطلعوا علينا بمصطلح وجيز يقابل المفردة الأعجمية: «شاطرٌ ومشطورٌ وكامخٌ بينهما». غير أن الشاطر والمشطور لم يعد مسألة لغويّة. فهو تحوّل إلى سباق سياسي دبلوماسي وسلاح للغزو الثقافي. غزا اليابانيون العالم بالسوشي، واللبنانيون بالتبولة، والأميركان بالهمبرغر. وقف الروس بالعشرات أمام أول مطعم للهمبرغر في موسكو. وسارع الصينيون إلى تقليد الوجبة بعد أن منحوها اسماً يتوافق وثقافتهم.

اعتاد المتابعون رؤية الرئيس الأميركي يتناول هذه الشطائر، سواء في اللقاءات مع طاقمه أو على متن الطائرة الرئاسية. يؤكد ترمب أنها مفيدة للصحة. وهو قد يطلع علينا بنظام غذائي خاص به اسمه «الترمبات»، على غرار «الطيبات». وجبة مفضلة في القواعد الأميركية الموزعة في أرجاء العالم. يقدّم طباخو المارينز الهمبرغر والبطاطا لحشود الجنود والضباط ومقاتلي القوات الخاصة. يأكلونها ويهضمونها بمشروبهم الغازي المصاحب للوجبة. يقول أحدهم: «حين أتناول الهمبرغر أشعر بطعم أميركا».

أطرف ما في التقرير الفرنسي عبارة قالها مدير المطعم الجديد الأكبر في الشرق الأوسط. وهي أن ثقافة الهمبرغر جديدة على العراقيين، لا يزيد عمرها على عشر سنوات. لا يعرف هذا الشاب ذو التسريحة الحديثة أن جدّه وجدته عاصرا الهمبرغر في بغداد منذ سنوات شبابهم.

فتح أبو يونان كشكاً لتلك الشطائر في ستينات القرن الماضي. وخلال سنوات قلائل صار اسمه أشهر من رئيس البلاد. له فروع تجمع القاصي والداني. قال منافسوه إنه يبيع الشطيرة بسعر مرتفع. ستون فلساً. في حين أن غيره من المطاعم يبيعها بخمسين. واليوم يعرض أحدهم في «تيك توك» فاتورة لوجبة همبرغر واحدة في بغداد بعشرين ألف دينار. رحم الله الشاعر الشعبي الذي قال: «بغداد مبنيّة بتمر... فَلّشْ وكُلْ خستاوي». حتى التمر الخستاوي بات يستورد من دول الجوار.

ويبقى السؤال: ما اختلاف همبرغر العم سام عن كفتة أم برهوم؟

الجواب: الأول دائري والثانية مستطيلة.