أحمد عبد المعطي حجازي
TT

الموشح... من المشرق إلى المغرب

استمع إلى المقالة

في مقالتي السابقة تحدثت عن الموشح الأندلسي وضربته مثلاً للأعمال المرموقة التي أسهم بها الأشقاء المغاربة ومنهم الأندلسيون في الثقافة العربية، وأعطيت المقالة عنواناً عبَّرت فيه عن المصدر الذي انطلق منه الموشح، والطريق الذي سلكه ليصل إلى حيث احتل مكانه إلى جانب الأعمال التي تبدأ طريقها من المشرق وتشكل مع أعمال المغاربة ثقافتنا العربية التي يشارك في إبداعها كل من ينتمي لها.

نعم، كل من ينطق بالعربية ويفكر ويعبر بها يعطيها بقدر ما يأخذ منها.

وهو يرسل ويستقبل في آن واحد كما هي الحال في كل اللغات وفي كل الثقافات. وهذا ما أردت أن أعبّر عنه في عنوان المقالة الذي وضعته هكذا: «الموشح... من المغرب إلى المشرق». وهو عنوان يشير بلفظه إلى طريق واحد، لكنه يعني الطريقين معاً، فما دام الإبداع يكتسب في كل طريق يسلكه قيمة جديدة ويعود بها إلى حيث بدأ، وبهذا تنمو الثقافة القومية وتتوحد وتزدهر، فبوسعنا أن نتحدث عن الموشح في الطريق الآخر وأن نكتب تحت هذا العنوان: «الموشح... من المشرق إلى المغرب».

***

وأول ما أبدأ به حديثي في مقالة اليوم أن أذكّر بما قدمته في المقالة السابقة عن الدور البنَّاء الذي أداه الشاعر المصري ابن سناء المُلك الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي وفي العقد الأول من القرن الذي تلاه، وعاصر صلاح الدين الأيوبي، كما عاصر عدداً من كبار الشعراء والوشاحين المغاربة والأندلسيين، ومنهم من سبقه ببضعة عقود كابن بقي، والأعمى التطيلي، ومنهم من ظهر بعده بأكثر من قرنين كلسان الدين بن الخطيب. لكننا نقرأ موشحات ابن سناء الملك وننظر في تواريخ حياته فلا ندري كيف استطاع أن يطلع على هذا الفن الذي سبقوا به، وهو الموشح، دون أن يعرفهم معرفة مباشرة. لم يعش معهم، ولم يزر بلادهم، كما أنهم بالمثل لم يعرفوه، فكيف وصل إليه الموشح بالصورة التي مكّنته من أن يكون فيه ناظماً مبدعاً لا مجرد ناقل أو مقلد، بل مكّنته من أن يقدم للموشح ما لم يقدمه مبدعوه الأوائل، وهو الكشف عن شكله وتركيبه وإظهار خصائصه وتحديـد قواعده. وهذا ما يشير إليه الدكتور جودت الركابي الذي حقَّق كتاب ابن سناء الملك «دار الطراز في عمل الموشحات»، فيقول في مقدمته التي كتبها: «ولعل ابن سناء الملك هو أول من قام بهذه المهمة فحاول في هذا الكتاب الذي ننشره أن يحدد قواعد هذا الفن الشعري ويبين خصائصه وطرق نظمه وأوزانه، فكان بذلك الشاعر الأول المنظم لقواعد الموشح في المشرق كما في المغرب».

وعن طريق ابن سناء الملك تعرّف شعراء المشرق على الموشح، ومنهم في مصر ابن قلاقس الإسكندري، وابن مماتي، وابن وزير، وابن المنجم... ومن شعراء الشام السراج عمر بن مسعود الكناني الحلبي، وأحمد بن حسن الموصلي.

***

بهذه الحفاوة استقبل المشارقة الموشح الأندلسي حين قطع الطريق إليهم من المغرب قبل ثمانية قرون، فكيف صار حالهم معه حين قطع الطريق إليهم من الماضي إلى الحاضر؟ والجواب في ديوان أمير الشعراء أحمد شوقي وفي مسرحه، وفي أغاني «كوكب الشرق» أم كلثوم، وفي مسرح الشيخ سلامة حجازي الغنائي، فلهذا المطرب الكبير رواية غنائية سماها «غانية الأندلس» وعُرضت لأول مرة عام 1914 في تونس على مسرح روسيني، وقدم فيها عدداً من الموشحات.

أما شوقي، فله موشحه الشهير الذي تغنى فيه ببطولة عبد الرحمن الداخل وسماه «صقر قريش»، وعارض فيه موشح لسان الدين بن الخطيب.

ولكي نقرأ موشح شوقي قراءة تفصح عن موضوعه وتكشف عن جماله وتمكننا من تذوقه نحتاج إلى معرفة صقر قريش، ولسان الدين بن الخطيب، وشوقي طبعاً، فضلاً عن الظروف التي نظم فيها أمير الشعراء موشحه.

***

صقر قريش هو الأمير الأموي عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، وهو الوحيد الذي استطاع أن ينجو من المذبحة التي قضى فيها العباسيون على كل من وقع في أيديهم من الأمراء الأمويين بعد أن نجح العباسيون في إسقاط الخلافة الأموية.

وقد فر عبد الرحمن، وظل متخفياً في الطريق الذي سلكه من دمشق حتى استطاع بعد خمس سنوات أن يدخل الأندلس وينتزع قرطبة وينشئ الإمارة التي أصبحت في أيامه وأيام خلفائه الأمويين دولة عظمى. هذه البطولة الرائعة ألهمت شوقي موشحه الذي عارض فيه موشح لسان الدين بن الخطيب.

***

ولسان الدين بن الخطيب هو الشاعر العالم المفكر الذي وُلد في غرناطة في القرن الثالث عشر الميلادي وتفوق على كل معاصريه من أدباء الأندلس، وأصبح وزيراً، ثم توالت عليه الخطوب حتى وقع في أيدي أعدائه فقتلوه.

ومن نظمه الرائع موشحه الذي أصبح مما يحفظه الكثيرون ويرددونه:

جادك الغيث إذا الغيث همى

يـا زمان الوصل في الأندلس

لم يكن وصلك إلا حلـمـا

في الكرى أو خلسة المختلس

وابن الخطيب في هذا الموشح يعارض موشحاً لشاعر أندلسي آخر هو ابن سهل. ثم يأتي أمير الشعر العربي في هذا العصر ليواجه المحتلين الإنجليز الذين فرضوا عليه أن يغادر مصر إلى أي منفى يختاره فاختار إسبانيا التي ألهمته قصائد عدة عارض فيها الحصري، والبحتري، وابن زيدون، ولسان الدين بن الخطيب:

من لنضوٍ يتنزى ألما

برح الشوق به في الغلس

حن للبان، وناجى العلما

أين شـرقـ الأرض من أندلسِ!

بلبل علمه البين البيان

بات في حبل الشجون ارتبكا

في سماء الليل مخلوع العنان

ضاقت الأرض عليه شبكا

كلما استوحش في ظل الجنان

جُن فاستضحك من حيث بكى!

وشوقي يستطرد ليلمّ بقصة عبد الرحمن الداخل ويتغنى بأعماله فيجمع بين السرد والغناء. ولشوقي إلى جانب القصائد التي نظمها وعارض فيها الأندلسيين مسرحية نثرية سمّاها «أميرة الأندلس».