ركزت مشروعات التنمية في البلدان العربية والإسلامية عند نيل الاستقلال على مسألة التعليم أولاً وأساساً. وخاضت كل دولة تجربتها وفق خصائص متقاربة، من أهمها الوعي بأهمية التعليم في تحقيق التنمية والخروج من معركة التخلف الثقيلة.
طبعاً مثل هذا التركيز هو ثورة حقيقية وسمة إيجابية نرى اليوم ثمارها في الأجيال المتعاقبة؛ حيث حققت غالبية الدول كفايتها من الاختصاصات الدقيقة، إلى درجة أن بعض الدول باتت تصدر المهندسين والأطباء إلى الدول المتقدمة. أيضاً من المهم الإشارة إلى أن الرّهان على التعليم بوصفه محركاً للتغيير الاجتماعي ونهضة المجتمعات، استفادت منه المرأة العربية جداً، إذ مثّل التعليم المجال الأكبر والأهم الذي أظهرت فيه الذكاء والقدرة والكفاءة.
كل هذا جيد، ويذكر فيشكر.
غير أنه في المقابل من فرط التركيز على فكرة أن الشهادة الجامعية هي الرافعة الاجتماعية الوحيدة، فإن المعايير الاجتماعية للنجاح قد ربطت بشكل قوي بين الشهادة الجامعية وفكرة النجاح والأفق... ودون ذلك الفشل. وكما نرى، فنحن أمام معايير راديكالية أسهمت من دون قصد في خلق مخيال ضيق حول النجاح، ووصلنا إلى المرحلة الراهنة التي أصبحت فيها هذه المعايير عبئاً على تحديات إدارة المشكلات الاقتصادية، وانتهت بنا -هذه المعايير- إلى نقص فادح في اليد العاملة الماهرة. إضافة إلى أن هذا التوجه أنتج متخرجين ليس جمعيهم على القدر نفسه من العبقرية والتميز في زمن أصبح فيه التميز وقود المنافسة في العالم. بل إن الشهادة الجامعية نفسها تراجعت أهميتها، وأصبح صاحبها يُقيم بمهارته لا بشهادته فحسب.
أيضاً، اليوم تُعرف جامعاتنا أزمة في علاقتها بسوق الشغل، حتى إنها متهمة بأنها المسؤولة الأولى عن بطالة أصحاب الشهادات الجامعية، وإنها بلا استراتيجية محكمة تزاوج بين المعرفة والحاجات الاقتصادية لبلداننا.
وفي الحقيقة نعتقد أن المشكلة أكبر من أن نُحمّل فيها الجامعات المسؤولية، فهي نتاج خلفية فكرية لمشروع مجتمعي لم ينتبه إلى ضرورة تنوع القدرات، وإلى حاجة المجتمع إلى العقول، تماماً كما هو بحاجة للأيادي الماهرة. فكانت النتيجة إهمال التكوين المهني في المنظومات التربوية العربية والترفع عنه، وذلك لصالح الميل الجارف شبه الأعمى نحو التخصصات الجامعية، ولم نفكر في تنوع حاجات الاقتصاد، وكيفية الاشتغال الأوركسترالي بين الطبيب والنجار والأستاذ والكهربائي كلهم مع بعضهم البعض.
ولقد وصلت بنا حال النظرة الدونية للشباب غير الحامل للشهادات الجامعية إلى اعتبارهم فاشلين في الحياة، وهي نظرة ذات تداعيات على كل أبعاد الحياة كالارتباط والصداقة... في حين أن مجتمعات متقدمة مثل ألمانيا وسويسرا وكندا نجحت في بناء أنظمة عالمية في التكوين المهني تقوم على الجودة واليد العاملة الماهرة الذكية. لذلك فإن الشهادة الجامعية ليست هدف كل طلاب ألمانيا، التي يتوجه نصف طلابها إلى برامج التكوين المهني.
نعم ألمانيا بلد الفلسفة، ومسقط رأس هيغل وكانط وكارل ماركس وماكس فيبر، يتوجه نصف طلابها إلى التكوين المهني، وتُعدّ هذه المقاربة نقطة قوة في رؤيتها التربوية. مع العلم بأن قرابة ثلاثة أرباع طلبة فنلندا والنمسا يختارون المسار المهني أيضاً.
السؤال: لماذا ونحن نعرف تراجعاً في المهن وقلة اليد العاملة، وارتفاعاً في نسب البطالة وصعوبات مادية حقيقية في تأمين دمقرطة الجامعة، نواصل في درب مُضرّ بالاقتصاد، ويفاقم العجز في مستوى اليد العاملة الماهرة، رغم أننا مجتمعات لا تشكو من مشكل ديمغرافي شبابي؟
وإذا أردنا الحقيقة، فإن أكثر من نصف الطلبة في البلدان العربية والإسلامية اليوم لا تتوفر فيهم ملكات التخصص الجامعي، فضلاً عن تراجع المستويات المعرفية والعزوف عن المطالعة والتعمق. أي أن عدداً هائلاً من الطلبة يدرس، لأن المجتمع لا يُقيم إيجابياً إلا حامل الشهادة الجامعية، وهو أمر خاطئ ومزيف، ومن نتائجه خريجون من حاملي الشهادات المتوسطة غير قادرين على التميز في الحياة العملية، وأضاعوا على أنفسهم فرصة التكوين المهني الذي كان من الممكن أن يبرعوا فيه.
إذن، نحن أمام عقلية لا بد من تعديلها كي تفهم أن الجامعة للراغبين حقاً في المعرفة، ويطيقون تعبها، وما تتطلبه من مثابرة. أما أصحاب النَّفَس المعرفي القصير فإن لهم في التكوين المهني نجاحاً آخر، وإبداعات غير محدودة.
ولنلحظ أن أصحاب اليد العاملة الماهرة لا يعرفون بطالة، كما أن أبواب الهجرة المنظمة باتت مفتوحة لهم أكثر من أصحاب الشهادات الجامعية.
إن الخطة الناجعة كما تبدو لي تتمثل في تغيير العقليات، وذلك من خلال إحداث ثورة في منظومة الأجور بالنسبة لليد العاملة، فالمال يُغير العقليات أيضاً. ومن ناحية ثانية، كل دولة تُحدد اختصاصات التكوين المهني الذي يحتاج إليه الاقتصاد المحلي والعالمي كي يفتح آفاق هجرة لشبابه إذا ما رغب في ذلك.
وأهم ما في هذه الخطة ميزانية تضاهي ميزانية التعليم كي تؤمن الدولة التكوين المهني بجودة عالية ينتفع بها الاقتصاد وتتغير بها العقليات، وربما دمج التكوين المهني ضمن وزارات التربية والتعليم من النقاط التي ستدعم تغيير المعايير الاجتماعية للنجاح الذي هو أكثر رحابة من السجن الذي وضعناه فيه.
