بكر عويضه
صحافي فلسطيني بدأ احتراف الصحافة في ليبيا عام 1968 حيث عمل في صحيفة «الحقيقة» في بنغازي، ثم «البلاغ» و«الجهاد» في طرابلس. واكب صدور الصحافة العربية في بريطانيا منذ 1978 فعمل في صحيفة «العرب»، ثم مجلة «التضامن»، وبعدها جريدة العرب الدولية «الشرق الأوسط»، كما عمل مستشاراً لصحيفة «إيلاف» الإلكترونية.
TT

فيضان أوصل إلى الطوفان

استمع إلى المقالة

لغوياً، الفارق ليس جوهرياً بين تعريف الفيضان، ومعنى الطوفان. معلوم لي ذلك، ولغيري طبعاً، مُذ بدأتُ أتلقى دروس علم الجغرافيا، وإنما كي أقطع الشك باليقين لجأت إلى قاموس «الذكاء الاصطناعي»، الذي تكاثرت الشكوك حوله في الآونة الأخيرة، حتى من جانب بعض العلماء الرواد في اختراع مختلف تصاميم أدائه، فأجابني بشأن معنى الفيضان أنه «تراكم، أو تدفق، كمية كبيرة من المياه التي تغمر أراضيَ عادةً ما تكون جافة»، أما الطوفان فهو «كل ما كثُر، وعظُم، حتى جرف وغطى كل شيء، ويُقصد به السيل العظيم المُغرق أو المطر الغالب». وإذ شطح القاموس الإنترنتي بعيداً عن المعنى اللغوي للطوفان، بلا استئذان أو طلبٍ مني، فطرق باب معناه وفق المعتقدات الدينية، كان أول ما أتى به التالي: «طوفان نوح عليه السلام أتى على كل شيء مُكَذّب وكافر، وعلى كل ديار قومه، وغمر الماء الأرض فعمّ كل شيء فوقها هلاكاً لمن كفر، ولم ينجُ إلا مَنْ كان معه في السفينة».

حسناً، مع إطلالة الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 يوم الأربعاء من الأسبوع المقبل، الأرجح ألا يضر طرح التساؤل عما كان يدور في رؤوس قيادات حركة «حماس» العسكرية عندما قررت إطلاق اسم «طوفان الأقصى» على هجومها ذاك. إنما، لماذا التساؤل؟ رُبَّ مستفسر يستغرب، وليس من ضرر في ذلك، أما الجواب فهو أن فهم معنى الاسم قد يتيح فهماً أعمق لأهداف الهجوم. للتوضيح، يمكن القول إنه إذا كان قصد قادة «عز الدين القسام» استنساخ روح «طوفان نوح»، وتمني أن يحل العقاب الإلهي ذاته الذي نزل بقوم النبي نوح (عليه السلام)، فينزل على إسرائيل المُعاصرة، فإن التاريخ سوف يُوثّق فشل طوفان جناح «حماس» العسكري على الصعيد الديني. فقدس الأقصى لا تزال تحت الاحتلال، والحرم الشريف نفسه لم يزل مهدداً بابتلاع المستوطنات معظم المساحات المحيطة به، أما أوضاع الناس في قطاع غزة فأوضح من كل شرح. إذن؛ ما العجب إذا طُرح التساؤل: ماذا حقق «طوفان حماس» دينياً؟

أما من المنظور السياسي، ووفق وقائع ما يجري على أرض الواقع، فليس من داعٍ على الإطلاق لإعطاء العمل الفلسطيني المُقاوم للاحتلال الإسرائيلي أي بُعد ديني. وعلى النقيض من ذلك، منذ بدأت مطامع آباء الحركة الصهيونية الأوائل في تأسيس إسرائيل على أرض فلسطين تسطع مثل شمس منتصف النهار، قال الفلسطينيون بوضوح ساطع أيضاً إن قضيتهم ليست مع اليهود بشراً، ولا هي ضد اليهودية ديناً. حصل ذلك خلال سنوات نضال زعامات الفلسطينيين، باختلاف التوجهات، إزاء مواجهة سياسات الانتداب البريطاني في تسهيل هجرات اليهود من مختلف أنحاء العالم. وحصل ذلك التأكيد أيضاً طوال ثورات الشعب الفلسطيني، بدءاً من ثورة عام 1936 الكبرى، وصولاً إلى النكبة الأولى عام 1948، وتواصل مع بدء إطلاق حركة «فتح» مسيرة الكفاح الفلسطيني المسلح مطلع عام 1965. الواقع أن فيضان ممارسات الاحتلال، مدعوماً بفيضان مراوغات ساسة إسرائيل، كانا سوف يوصلان إلى طوفان ما، عاجلاً أم آجلاً. وهو ما حصل فعلاً.