في المفاوضات القلقة والمقلقة بين أميركا وإيران يكشف ترتيبُ البنود ما تخفيه البيانات. وحين حملت طهران إلى نيويورك خطتها الأخيرة جعلت فتح مضيق هرمز في أولها،
مع إسدال الستار، في الثلاثين من سبتمبر (أيلول) الماضي، على آخر وجودٍ عسكري أميركي في قاعدة أربيل، انطلقت ماكينة إعلامية بعينها تنبئ بأنَّ واشنطن تخلّت عن الكرد
منذ انتخابات برلمان كردستان في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 مضى قرابة العامين من دون حكومة جديدة، وببرلمان لا ينعقد. من هذه الحقيقة ينبغي أن يبدأ أي تقدير لوضع
ثمّة ذاكرة لا تنسى شيئاً، وأخرى لا تتذكّر إلا ما تشتهي، وبينهما تنشأ واحدة من أكثر ظواهر السياسة حضوراً وأقلّها اعترافاً بنفسها: إنها ازدواجية الذاكرة،
لم تكن كردستان، في أي مرحلة، طرفاً في الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة، ومع ذلك وجدت نفسها مرة أخرى في مرمى صواريخ ومسيّرات إيران ووكلائها. وإذا كانت
في الخامس والعشرين من سبتمبر (أيلول) 2017، صوّت نحو 92 في المائة من ناخبي إقليم كردستان لمصلحة الاستقلال، في اقتراع جرى بانتظام لافت وتحت أنظار مراقبين دوليين.
ليست أخطر المجتمعات تلك التي يكثر فيها اللصوص، فالجريمة رافقتِ الإنسانَ منذ فجر التاريخ ولم تخلُ منها حضارةٌ أو دولة، إنّما يبدأ الخطرُ الحقيقي حين تتبدّل نظرة المجتمع إلى السَّرقة نفسها؛ فلا تعود فعلاً مشيناً يلاحق صاحبه بالعار، بل تتحوّل تدريجياً إلى سلوكٍ يُبرَّر أو يُتغاضى عنه، أو يُعجَب بمن…
لا يُقاس نضج المجتمعات بعددِ دساتيرها أو بتعدد أحزابها، بل بقدرتها على الاعتراف بالآخر شريكاً متساوياً في الوطن، فالدساتير يمكن أن تُكتب بسهولة، لكن الأصعب