د. سعاد كريم
باحثة لبنانية
TT

قراءة في قمة ترمب ــ شي

استمع إلى المقالة

حطّت طائرة الرئيس الصيني شي جينبينغ على الأرض الأميركية في زيارة رسمية في 23 سبتمبر (أيلول) 2026. حيث رافق الرئيس شي زوجته، ووفد حكومي سياسي ورسمي مُصغّر أمثال: خه لي فنغ كبير المفاوضين التجاريين، ووانغ ييه وزير الخارجية، وتساي تشي مدير المكتب العام للجنة الحزب وساعد الرئيس الأيمن، وغاب عنه وفد رجال الأعمال وقادة كبرى الشركات، عكس ما كان متوقعاً قبل القمة.

وقد أدلى الرئيس شي بتصريحات قُبيل وخلال القمة قائلاً إن الصين والولايات المتحدة «ينبغي أن تكونا شريكتين لا خصمين»، وأن واشنطن وبكين تتحمّلان معاً «القدرة والمسؤولية لتطوير وإدارة الذكاء الاصطناعي». وفي إشارة إلى شعار الرئيس ترمب السياسي الأساسي «لنجعل أميركا عظيمة مرّة أخرى»، قال الرئيس الصيني: «النهضة العظيمة للأمّة الصينية وهدف جعل أميركا عظيمة مجدداً».

ملفات تجارية تصدّرت المناقشات تراوحت بين التهدئة الاقتصادية والجيوسياسية الحساسة، من أهمها ملف الهدنة التجارية التي كانت من المفترض أن تنتهي بين بلديهما في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لكنهما قرّرا تمديدها حتى العاشر من يناير (كانون الثاني) 2027 لكسب الوقت من أجل التوصّل إلى اتّفاق أوسع.

قمة تاريخية جمعت الرئيسين ترمب وشي في البيت الأبيض في الـ25 من سبتمبر 2026، أسفرت عن تفاهمات محدودة وتأجيل ملفات خلافية كبرى إلى لقاءات لاحقة؛ على سبيل المثال: قضية تايوان، الحرب التجارية والرسوم الجمركية، الصراع التكنولوجي والملكية الفكرية، بحر الصين وحرب إيران ومضيق هرمز وتداعياتهما على سلاسل إمداد الطاقة، وغيرها من المسائل الجيوسياسية والاقتصادية والتقنية المعقّدة التي تهيمن على شكل المنافسة الثنائية بين القوتين العظميين، بحيث تمّ التركيز خلال اللقاء على إدارة التنافس ومنع تدهور العلاقات بينهما بدلاً من تحقيق اختراقات جوهرية.

ركّزت القمة على منع انزلاقات العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى حرب رسوم شاملة. لذا، كانت ملفات الرسوم الجمركية من أبرز الملفات التي طُرحت بقوّة وأسفرت عن خفض متبادل للرسوم على سلع غير حساسة (استهلاكية وزراعية وصناعية وطبية وغيرها من الملفات القليلة الأهمية) بقيمة 30 مليار دولار أميركي (بإجمالي 60 مليار دولار للطرفين)، والتي تمّ تحديدها ضمن إطار اتفاق جمركي «30 مقابل 30». كتفاهم تجاري متبادل لخفض الرسوم.

كذلك تصدّر القمة ملف الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية، حيث اتفق الطرفان على إنشاء قناة اتصال ثنائية لإدارة المخاطر وحوادث الذكاء الاصطناعي، مع الاستمرار في التنافس التقني بين العملاقين الأميركي والصيني، كما أصرّ الرئيس شي على أهمية وضرورة إبقاء تطوّر الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة البشرية، بينما لمّح ترمب إلى أن من ينتصر في سباق الذكاء الاصطناعي سينتصر في قيادة الاقتصاد العالمي المستقبلي، لكنه رفض الاقتراح الصيني في إبطاء تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، تحسباً من تقدُّم الصين على الولايات المتحدة، وتصرّ على منع تسرّب التقنيات الحساسة وحماية تفوّقها في «الذكاء الفائق»، في وقت تطالب فيه بكين برفع القيود عن تصدير الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات المتطوّرة إليها، كما رفضت الصين في الوقت ذاته أيّ محاولات غربيّة لإبطاء تطوّرها التقني بحجّة المنافسة الشرسة.

أما ملف صادرات المعادن الأرضية النادرة (مثل الإيثريوم والديسبروسيوم) فشكّل ورقة ضغط صينية في قمة واشنطن في مواجهة الرسوم الجمركية الأميركية كون الصين تسيطر على نسبة ضخمة من إنتاج ومعالجة هذه المعادن التي تدخل في صناعة الرقائق الإلكترونية، والسيارات، ومحركات الطيارات النفاثة، وأنظمة الدفاع. لكن من إخفاقات القمة أن أزمة إمدادات المعادن النادرة لم تتمّ تسويتها بشكل شامل مما يبقي الهدنة التجارية هشّة بين البلدين، لهذا اتفق الرئيسان على تمديد الهدنة لمنح المفاوضين فرصة إضافية لصياغة تفاهمات أعمق وتجنُّب تصعيد الرسوم الجمركية.

تحديات جوهرية كبرى واجهت الرئيسين الأميركي والصيني في واشنطن، وسط ملفات خلافية جيوسياسية واستراتيجية بالغة التعقيد بقيت معلّقة وتأرجحت بين الرغبة في التهدئة وتجنُّب التصعيد، وبين الحفاظ على المصالح القومية والاقتصادية لكل بلد؛ خصوصاً أن إجمالي الواردات والصادرات بين الولايات المتحدة والصين بلغ نحو 400.8 مليار دولار أميركي في الفترة ما بين يناير وأغسطس (آب) 2026. وتشكّل الصادرات الصينية 75 في المائة من هذا الإجمالي، والعجز التجاري نحو 202.7 مليار دولار، بناءً على صادرات أميركية 106 مليارات دولار مقابل واردات صينية بقيمة 308.7 مليار دولار، وهو أمر يلقى استياءً كبيراً لدى واشنطن. لذا، اتُّفق على استيراد الصين ما لا يقل عن 10 ملايين طن متري من الفحم الأميركي سنوياً خلال عامي 2027 و2028 لدعم الميزان التجاري.

تعهّدات فضفاضة وتوقّعات كثيرة وآمال كبيرة عقدها العالم وانتظرها من هذه القمة بين الدولتين العظميين، فجاءت في بعض بنودها دون الآمال المبتغاة، لكنهما اتّفقتا على استمرار قنوات الحوار بينهما، وتجنُّب الصدام المباشر كما لم تُحدِث أيّ اختراقات كبرى أو قرارات اقتصادية جذرية.