هل العالم على موعد مع جائحة قادمة في المدى الزمني المنظور؟ خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الوقاية من الجوائح، كان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس غيبريسوس، وقبل أيام، يقطع بأن المسألة لم تعد هل ستحدث، بل متى ستحدث؟
وجدت تلك التصريحات أصداء واسعة حول العالم، مع ارتفاع منسوب المخاوف، لا سيما أن مصداقية الرجل ليست فوق مستوى الشبهات منذ 2020، أي زمن ظهور جائحة «كوفيد - 19».
يمكن أن نرجع حالة الهلع التي أصابت الملايين وربما المليارات حول الكرة الأرضية لأكثر من سبب:
أولاً: أنه على الرغم من إعلان انتهاء حالة الطوارئ التي صاحبت جائحة «كوفيد» في مايو (أيار) 2023، فإن الآثار النفسية لا تزال راسخة في الذاكرة الجمعية للبشرية في جميع أرجاء المسكونة.
ثانياً: حالة الاضطراب والقلق الجيوسياسية الأممية، حيث تكاد تنعدم الثقة، ويغيب اليقين؛ ما يفتح الباب واسعاً للتصديق بفكر المؤامرة تارة، وربما ترجيح طرح التنبؤات التي تسعى لتحقيق ذاتها بذاتها من ناحية أخرى، وكلٌ يغني على مدى نفوذه وتصاعد سطوته، ومقدرته على التحكم بمقدرات البشرية.
على أنه من دون تهوين أو تهويل، فإن تيدروس لم يقل إن هناك جائحة تفشت، ولا حتى على الطريق قادمة، بل إن تحذيره، وهو ليس الأول من نوعه، تمحور حول إمكانية ظهور مرض تنفسي جديد، يمكن أن يتسبب في جائحة ذات آثار مماثلة لـ«كوفيد».
رجل الصحة العالمي استشهد بتفشي «إيبولا» الحالي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بصفته تذكيراً بأن الأمراض المعدية يمكن أن تظهر في أي مكان وتنتشر عبر الحدود. إذ إن تصريحات تيدروس، أطلقت نقاشاً واسعاً حول علامة استفهام جوهرية: «هل العالم أكثر استعداداً بعد ست سنوات من (كوفيد) لمواجهة جائحة جديدة؟».
غالب الظن أن الجواب له وجهان: نعم، ولا.
نعم، من نواحٍ متعددة أصبح العالم على بيّنة وخبرة، بعد أن تكبَّد أكلافاً عالية بالجائحة الماضية، وقد أخذ الجميع في بلورة خطوات ملموسة وذات مغزى لتعزيز الاستعداد.
لكن في الوقت عينه، لا؛ لأن التقدم المحرَز هش وغير متساوٍ، ولا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به للحفاظ على سلامة البشرية.
بالفعل اتخذت الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية قرارات عزَّزت من قدرة العالم، ليس فقط على الاستجابة بشكل أسرع والتخفيف من آثار الأوبئة المستقبلية، ولكن لمنعها في المقام الأول.
في هذا السياق، تظهر الاستجابات الأخيرة لتفشي فيروسَي، «إيبولا» و«ماربورغ»، هذا التقدم بوضوح، على المستويات الوطنية، بدعم من منظمة الصحة العالمية. غير أن فريقاً يراقب ويلاحظ، يقطع بأنها مكاسب هشة وهامشية؛ فقد شهدت السنوات الست الماضية، اضطرابات عميقة في مجال الصحة العالمية، مع استمرار التمويل في التحول من الصحة نحو الدفاع والأمن القومي؛ ما يعرّض للخطر الأنظمة التي تم تعزيزها خلال جائحة «كوفيد - 19» لحماية الدول من الأوبئة المستقبلية.
سؤال آخر مقلق ومثير: هل يمكن لجائحة قائمة أن تعزز من فكرة القوميات وترسخ الشعوبيات، في مواجهة روح التعاون الدولي لصد غائلة مثل تلك الجوائح؟
لا شكَّ أنَّه حين ضرب فيروس «كوفيد - 19» البشرية، شكَّل ظاهرة عالمية تسببت في انعزال الدول عن بعضها بعضاً؛ إذ أدت الآلام والمعاناة ومواجهة الصعاب الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية إلى تخلي قادة العالم عن التعاون الدولي والانكفاء على الذات مع إغلاق الحدود، ووضع الخطط البراغماتية الخاصة.
ما الأثر الذي يمكن أن تتركه جائحة جديدة على عالم تصاعدت فيه الشعبويات بشكل مخيف، وبات الجميع ينتظر شرارة مواجهة عسكرية كونية؟
الحديث عن جائحة قادمة، لا يمكن فصله عن أوضاع الفوضى العالمية الآنية، حيث الحروب المنفلشة، والأكثر هولاً ربما في الطريق، ناهيك عن التغيرات المناخية التي تحيل نهار الملايين قلقاً وليلهم أرقاً، وتباعد بينهم وبين طمأنينة المستقبل.
يبدو العالم ومن جديد أمام إخفاقات العولمة، وحديث إزالة الحواجز، لا سيما أن الكثير من دول العالم، وفي مقابل حديث الجائحة القادمة، باتت تفضّل النموذج الهندي خلال زمن «كوفيد - 19»، فقد قيدت نيودلهي صادرات الإمدادات الطبية الرئيسية، واستثمرت أكثر من مليار دولار في هذا المجال؛ لتخفيف اعتمادها على الصين في المكونات الطبية.
يعني ذلك أن النموذج الانعزالي للجزر المتفرقة يبدو سيد الموقف من جديد. لكن يظل هناك أمل في أن تكون الذكاءات الاصطناعية طوق نجاة لتجنيب العالم هاوية الإنذار الوبائي، في مرحلته الحالية كتحذير استراتيجي، وللحديث بقية.
