د. عبد الله فيصل آل ربح
أكاديمي سعودي, أستاذ مشارك لعلم الاجتماع الديني والنظرية الاجتماعية جراند فالي الأميركية, وزميل أبحاث غير مقيم بمعهد الشرق الأوسط بواشنطن العاصمة. نشر العديد من الأبحاث المحكمة في دوريات رصينة, إضافة لنشره لعدة دراسات في مراكز الفكر بواشنطن. ومن أهم إصداراته كتاب «المملكة العربية السعودية في الصحافة الأنجلو: تغطية المملكة في القرن العشرين»
TT

معضلة المحلل الشامل

استمع إلى المقالة

بعد الوقوف على دوافع الاستهلاك العاطفي للتحليل السياسي وسيكولوجية المتلقي، يغدو من الضروري فحص الطرف الآخر من المعادلة الإعلامية: صانع الرأي ومتصدر الشاشة. فتَجَلِّي ظاهرة «المحلل الشامل» في البرامج الحوارية أضحى أمراً لافتاً؛ إذ يتنقل هذا النمط بخفة مفرطة بين العلوم والملفات المعقدة... فتراه ينظّر في الاستراتيجيات العسكرية صباحاً، ويحلل الاتجاهات الاقتصادية ظهراً، ويرسم خريطة التحالفات الجيوسياسية مساءً، وكأن المعرفة قد اختُزلت في شخصه، أو كأن التخصصات العلمية أضحت ترفاً يمكن تجاوزه بسهولة.

يكمن أساس هذه الظاهرة في شغف الظهور الإعلامي والتهافت على اقتطاع المساحات في الفضائيات، حتى وإن افتقر المعلق إلى الحد الأدنى من الإلمام بالملف المطروح للنقاش. وبدلاً من أن تؤدي الاستضافةُ الإعلامية وظيفتَها في تقديم قيمة معرفية تنير للمتلقي زوايا غير واضحة، ولا يدركها المتلقي العادي، يتحول الاستوديو إلى ما يشبه الديوانية أو الاستراحة أو المقهى؛ حيث يُطرح الكلام بأريحية انطباعية، بعيداً عن أطر الرصانة والتأهيل. وقد ينتقل الضيف في دقائق معدودة من تفسير تحرك عسكري، إلى تقدير مسار أسواق الطاقة، أو تفكيك توازنات السياسة الداخلية في دولة بعيدة، من دون أن يوضح حدود اختصاصه أو مصادر تقديره.

تعتمد آلية عمل هذا النمط الاستعراضي على إحلال الكاريزما الفردية وطلاقة اللسان محل أدوات القياس العلمي والبيانات الميدانية؛ إذ يَستبدل «المحللُ الشامل» بأساليب البحث لغةً فضفاضةً ومصطلحاتٍ مرنةً توحي بالعمق وتُداعب المشاعر، من دون أن تقدم للمتابع زاداً فكرياً حقيقياً أو قراءة منضبطة لموازين القوى. والنتيجةُ اختزالُ الظواهر المعقدة، وتبسيطُ الصراعات المركبة، وتضليلُ الرأي العام، عبر تقزيم الواقع الاستراتيجي في صيغ شعبوية لا تعكس تعقيدات الميدان.

لا تعني المطالبةُ بالتخصص إنكارَ قيمة التداخل المعرفي، أو إلغاءَ إمكان تعدد الخبرات؛ فالظواهرُ السياسية والاجتماعية المعاصرة تقتضي، في أحيان كثيرة، أفقاً تحليلياً متعدداً يربط بين السياسة والاقتصاد والاجتماع. غير أن الشرط الحاكم لهذا التعدد يكمن في امتلاك المحلل شرعيةً بحثية ودراسية حقيقية، وأرضية معرفية صلبة، تبرران انتقالَه المتزن من موضوع إلى آخر. وحتى عند توافر هذه الشرعية، فإن الخبرات المتعددة تظل محدودة بنطاقات متقاربة وسياقات متكاملة، ولا يمكن، بأي حال، أن تتحول رخصةً مفتوحةً للفتوى الإعلامية في كل أزمة تطرأ على الساحة.

إن البديل الاستراتيجي لتجاوز هذا الخلل الإعلامي يتمثل في إعادة الاعتبار إلى خبير الميدان وصاحب التخصص. فالمعرفة الرصينة لا تُبنى في الاستوديوهات الهوائية، بل تتأسس على إحاطةٍ بالبيئة المحلية، واستيعابٍ للسياقات التاريخية في المنطقة، واطلاعٍ مباشر على البيانات الميدانية وحسابات الردع الفعلية. فالباحث المختص والخبير الميداني هما الأقدران على قراءةِ المسارات واستشرافِ التطورات؛ بناءً على معطيات صلبة، بعيداً عن الانجرار خلف الانفعالات اللحظية أو ملاحقة المزاج الجماهيري.

إن الرهانَ على «المحلل الشامل» رهانٌ على السراب في لحظات التحول المصيرية. فالمجتمعات التي تخوض تحديات استراتيجية لا تُحمى بالانطباعات السطحية ولا بالاستعراض الشفهي، بل بالمعرفة الدقيقة التي يصنعها التخصص الرصين. واستعادةُ وقارِ الفضاء العام تقتضي شجاعةً إعلامية في تغليب «صوت خبير الميدان» على «نجم الشاشة العابر للعلوم»؛ لأن تحصين الوعي الجمعي لا يبدأ بإرضاء الجمهور بما يشتهي، بل بمنحه الحقيقة كما تَوصّل إليها اجتهاد المحلل، بصوت أهل العلم والخبرة والمسؤولية.