سبق في هذا المقام وغيره القول إنه بعد ما سمي «الربيع العربي» خرج من بين الدول العربية اثنتا عشرة دولة متماسكة لا يوجد فيها ميليشيات ولا تعاني من حروب أهلية أو تقف على حافتها؛ ومع ذلك لديها مشروع وطني للتنمية والحداثة انطلق من «رؤية» سقفها عام 2030 أو أي زمن آخر. ذلك على عكس ما هو حادث في عشر دول أخرى تعاني من الميليشيات أو الحرب الأهلية، أو تقف على حافة هذه الأخيرة. الآن في هذه المجموعة الأخيرة من الدول هناك ميليشيات باتت تهدد المجموعة الأولى؛ ولا يوجد أصدق من ذلك مثلاً من جماعة «الحوثيين» الذين يقسمون الدولة اليمنية؛ ويقومون بالتهديد المباشر للحكومة الشرعية المعترف بها دولياً؛ بينما في الوقت نفسه يقومون بالعدوان على المملكة العربية السعودية. ولعلها لم تكن صدفة أن التهديد أتى من الحوثيين في الجنوب، وميليشيات عراقية من الشمال حيث الدولة الوطنية مهددة. وعلى الجانب الآخر من البحر الأحمر فإنَّ ما يقوم به الحوثيون يهدد حرية الملاحة والتجارة في البحر التي تعبره سفن عالمية محملة بما يحتاجه الناس من غذاء وبناء. ملخص الأمر أن تقوم العبثية بمناكفة وتهديد الحضارة. ما يحدث في المنطقة من صراعات مسلحة أو التهديد بحدوثها ما هو إلا نتاج حزمة من العناصر المعقدة، ولكن أكثرها أهمية ضعف الرابطة الوطنية والهوية المشتركة بين مكونات «شعب».
ولا يمكن قبول المشهد الحالي في المسرح السياسي السوداني من الصراع المسلح العنيف، وفي كل هذه الأرجاء يقتل «سوداني» سودانياً آخر بعد اعتباره عدواً لا يمكن تصوره شقيقاً ينتمي إلى «هوية» مشتركة. الأمر ينطبق على كل الحالات، وربما كانت الحالة السودانية على حداثتها مثالاً على البساطة التي تجري بها عمليات التفاوض من خلال أطراف دولية وإقليمية. فقد يلتقي الطرفان في عواصم شتى ويتفقان على وقف إطلاق النار، وبعدها بساعات يجري استئناف القارعة وسقوط الجنود والمدنيين في واحة الانقسام. صحيح أن الأمر قد يكون راجعاً في جزء منه إلى انقسامات عرقية أو طائفية. ولكن ذلك كان ممكناً تاريخياً في عصور أخرى عندما كانت الحرب بين الإنجليز وأهل أسكوتلندا وويلز وآيرلندا تمهيداً لقيام المملكة المتحدة التي يربط هويتها «التاج البريطاني» ويحارب تحت أعلامها الجميع في الحروب العالمية خلال القرن العشرين. الحرب الأهلية الأميركية بين الشمال والجنوب في القرن التاسع عشر لم تكن عاكسةً للطائفية أو الأعراق فقط، وإنما كانت لحل إشكالية التناقض ما بين «إعلان الاستقلال» الأميركي الذي أكد حقيقة الإنسان وحقوقه الأساسية؛ و«الدستور» الأميركي الذي سمح بالعبودية، وامتهان الأعراق الأقل شأناً، من السود إلى النساء واليهود! في النهاية لم تؤدِّ الحرب إلى انقسام الدولة، وفاز الاتحاد لأن «هوية» أميركية جديدة تكونت وقامت على مشروع صناعي وتكنولوجي مشترك يمكنه التعامل مع دولة ذات طبيعة قارّية سوف تصير مع الزمن دولة عظمى.
«الهوية» وتسجيل شرعية سلطة الدولة هما المفتاح؛ سواء كنا في العراق أو اليمن أو سوريا أو لبنان أو السودان، أو حتى بين «الفصائل» الفلسطينية التي تتغنّى بوطنية الانتماء إلى فلسطين والرغبة في تحقيق الاستقلال والدولة لكنها لا تقترب من «الفلسطيني» الآخر المنتمي إلى فصيل مختلف.
«الهوية» هي أول أركان «الحداثة»، ومن دونها فإن الجماعة الإنسانية لا يرتبط بعضها ببعض في إطار إقليم تقوده سلطة فيصير دولة. والآن فإن المنطقة العربية بأسرها لا تواجه فقط الحرب الضروس التي قد لا تقتصر فقط على مشاهد «مضيق هرمز» وإنما سوف تمتد إقليمياً إلى الشرق الأوسط كله عرباً وعجماً.
ما نشهده الآن هو أن المنطقة كلها باتت على أبواب عاصفة كبيرة تنفخ فيها أطراف دولية وعالمية؛ ولا توجد نجاة منها إلا إذا ما تقدمت دول الهوية الوطنية بالعون الصريح من عقار «الهوية» و«المشروع الوطني» إلى الدول التي تعاني من نقص كليهما.
الجامعة العربية يمكنها أن تكون منصة وحقلاً للدراسات الضرورية لفقه الهوية وفقه المشروع الوطني، وكلاهما أول الخُطى إلى دول رشيدة.
