اليوم أتحدث عن الموشح الأندلسي الذي وعدت في ختام مقالتي السابقة بأن يكون موضوعنا لهذا الحديث، أقدم من خلاله صورة من صور التبادل والتواصل الثقافي بين المشرق والمغرب العربيين.
والمعروف الشائع أن المشرق في معظم الأحيان هو المصدر الذي يأتي منه الفعل الذي يعتبره المغاربة جديراً بأن يتبنوه ويعتبروه تراثاً لهم كما هو تراث للمشارقة، لأن الثقافة العربية في المشرق هي الثقافة العربية في المغرب، وهذه هي الحقيقة التي نعترف فيها بأن الثقافة العربية بدأت في المشرق، وهو واقع يُؤدي في كثير من الأحيان إلى تجاهل واقع آخر لا يستطيع أحد أن ينكره، وهو أن المغاربة لم يكونوا مجرد جمهور يتلقى ما ينتجه المشارقة، بل كانوا أيضاً مصدراً آخر من مصادر الثقافة العربية منذ أصبحت هذه الثقافة بكل صورها ومجالاتها ثقافتهم. وهذا منطق مفهوم وواقع ملموس نحتاج لأن نُذكر به دائماً ونوضحه، لأن اللغة حين تصبح لغة الفرد والجماعة يتواصلون بها في حياتهم الخاصة والعامة لا تكون بالنسبة للناطقين بها مجرد ألفاظ يرددونها أو جمل يكررونها، وإنما تصبح عواطف، ومشاعر، وأفكاراً، ومعاني، وباختصار تصبح تعبيراً عن الذات، ذات الفرد، وذات الجماعة.
فإذا كانت اللغة العربية قد دخلت بلاد المغرب وبلاد المشرق أيضاً مع العرب الفاتحين في القرن السابع الميلادي، فقد وجدت هنا وهناك إقبالاً يلفت الأنظار واستعداداً للإجادة والإتقان.
إذ لم يمضِ أكثر من قرنين حتى أصبحت العربية لغة الأكثرية، وأخذ المغاربة يشاركون بها في إنتاج الأدب العربي. ومن أوائل الشعراء الذين ظهروا في هذه المرحلة الأولى من تاريخ المغرب العربي عبد الرحمن بن زياد القيرواني الذي رحل إلى العراق، فهزّه الحنين لوطنه وقال:
ذكرت القيروان فطاح شوقي وأين القيروان من العراق؟!
مسيرة أشهر للعيس نصا على الإبل المضمرة العتاق
هذا الشاعر لم يكن إلا واحداً من عشرات بدأ بهم الشعر العربي في المغرب بأقطاره الممتدة وولاياته المختلفة، ومنها جزيرة صقلية التي جاء منها جوهر، قائد جيش المعز الذي فتح مصر وبنى القاهرة لتصبح عاصمة الفاطميين، وهذا تاريخ نعرفه، لكن الذي لا نعرفه كما يجب هو الثقافة العربية في صقلية التي خضعت للحكم العربي من القرن التاسع الميلادي إلى القرن الحادي عشر. وفي ذلك العصر الذي كانت فيه الثقافة العربية هي السائدة في الشرق والغرب، ازدهرت في صقلية التي أصبحت قبلة الباحثين عن علوم العرب. ونحن ننظر فيما بقي لدينا من تراث العرب الصقليين فنجد مائة وسبعين شاعراً ظهروا جميعاً في الجزيرة ونقرأ من شعرهم عشرين ألف بيت. ومن أشهر شعراء صقلية ابن حمديس الذي أشرت إليه في المقالة السابقة. وله في الحنين لوطنه الذي سقط في أيدي النورمانديين فرحل عنه ابن حمديس مع من رحلوا:
ذكرت صقلية، والأسى يهيّج للنفس تذكارها
ومنزلة للتصابي خلت وكان بنو الظرف غُمارها
فإن كنت أُخرجت من جنةٍ فإني أحدّث أخبارها!
***
والحديث عن ثقافتنا العربية في المغرب والأندلس وعما كان بين المغاربة والمشارقة من تواصل وتبادل - هذا الحديث يبدأ ولا يكاد ينتهي، لأن العمل الذي نتحدث عنه أو الاسم الذي نذكره تاريخ وتراث لا ينفصل بعضه عن بعضه. وكيف نتحدث عن جوهر الصقلي مثلاً دون أن نتحدث عن صقلية؟ أو نتحدث عن صقلية دون أن نتحدث عن ابن حمديس؟ أو نتحدث عن ابن خلدون دون أن نتحدث عن الأندلس التي استوطنتها عشيرته، وعن المغرب حيث ولد، وعن مصر حيث هاجر واشتغل بالتأليف والتدريس والقضاء، ولقي وجه ربه؟
وكيف نتحدث عن الأندلسيين الذين أبدعوا الموشح دون أن نتحدث عن المشارقة الذين أخذوه عنهم، وفي مقدمتهم الشاعر المصري ابن سناء الملك، فضلاً عن آخرين مصريين وغير مصريين يتحدث عنهم صلاح الدين بن أيبك الصفدي في كتابه «توشيع التوشيح» فيقول: «ومن أهل الديار المصرية القاضي السعيد هبة الله بن سناء الملك، وهو حامل راية هذه الصناعة والناس عليه فيها عيال، ونصر الدين بن قلاقس الإسكندري، والأُسْعَد بن مماتي، وابن وزير، وابن المنجم، والسراج الوراق، وابن سعيد بن المغربي، والنصير الحمامي، ومظفر الأعمى، والشهاب أحمد بن عبد الله العزازي، وقد أكثر من هذا الفن. ومن شعراء الشام السراج عمر بن مسعود الكناني الحلبي، والشيخ صدر الدين محمد بن الوكيل، وأحمد بن حسن الموصلي، وهو من المكثرين».
وابن سناء الملك لم يكتفِ بأنه ينظم في هذا الشكل الشعري القادم من الأندلس، بل نظم فيه، وألف كتاباً تحدث فيه عن أصول الموشح، وحدد قواعده، وأدّى فيه الدور الذي أداه الخليل بن أحمد في علم العروض. فالموشح شكل شعري قائم بذاته لا يتألف من أبيات كما هي الحال في القصيدة، وإنما يتألف من مقطوعات يتميز كل منها بأوزانها وقوافيها، وينتهي الموشح بخاتمة أو خرجة ينظمها الشاعر بالعامية. لأن العامة أو الأغنيات الشعبية الأندلسية هي الأصول التي خرج منها الموشح، ومن هذه الأصول ظهر الموشح مرتبطاً بالغناء من ناحية، وجامعاً بين الفصحى والعامية من ناحية أخرى. ومن هنا لم يلتزم الشعراء دائماً بالأوزان المألوفة وهم ينظمون الموشح، وإنما تحرروا في بعض ما نظموه فوضعوا له أوزاناً مختلفة، لأن الوزن في الغناء يختلف عن الوزن في الإلقاء أو في القراءة.
وفي هذا يقول ابن سناء الملك: «والقسم الثاني من الموشحات هو ما لا مدخل لشيء منه في شيء من أوزان العرب. وهذا القسم منها هو الكثير، والجم الغفير، والعدد الذي لا ينحصر، والشارد الذي لا ينضبط. وكنت أردت أن أقيم لها عَروضاً يكون دفتراً لحسابها، وميزاناً لأوتادها وأسبابها، فعزّ ذلك وأعوز، لخروجها عن الحصر وانفلاتها من الكف، وما لها عروض إلا التلحين، ولا ضرب إلا الضرب، ولا أوتاد إلا الملاوي، ولا أسباب إلا الأوتار...».
***
وأختم بالعودة إلى ما قلته عن معرفتنا نحن المشارقة بإنتاج أشقائنا المغاربة. قلت إن هذه المعرفة انطباعات تحتاج لاختبار.
وأنا أُكرر في ختام هذه المقالة ما طالبت به في المقالة السابقة.
