حسين شبكشي
رجل أعمال سعودي، ومستشار اقتصادي لعدد من الشركات الخليجية الكبرى، وعضو مجلس إدارة ورئيس مجلس إدارة في عدد من الشركات السعودية والأجنبية. نشر العديد من المقالات في مجالات مختصة، وفي صحف ومجلات عامة في العالم العربي. اختير عام 1995 «أحد قادة الغد» من قبل «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس. أول رجل أعمال سعودي وخليجي ينضم إلى «منتدى أمير ويلز لقادة الأعمال».
TT

الحرب والنفط!

استمع إلى المقالة

بدايةً، نستسمح الأديب الروسي الأشهر ليو تولستوي في استعارة عنوان المقال الشبيه بعنوان روايته والملحمة الأدبية المعروفة «الحرب والسلام» وبعدها نغوص في محاولة معرفة العلاقة الخاصة بين سلعة النفط والحروب. تناقلت وسائل إعلامية عالمية مختلفة ما صرح به رجل المال المصري الأميركي محمد العريان، الذي قال فيه: «أغلب الناس لا تدرك تحديداً حجم هذه الصدمة»، كانت هذه الجملة الأكثر تكراراً في اجتماعات حضرتها، ومقابلات رأيتها واستمعت إليها، ومناقشات كنت طرفاً فيها، والحديث هنا عن الارتفاع الهائل في أسعار النفط وآثار ذلك على الاقتصاد الدولي والنظام المالي العالمي بشكل عام. مما يعني أن العالم لم يرَ سوى رأس جبل الجليد المغمور تحت الماء، وأن القادم أصعب. كلمات في غاية الأهمية صادرة من خبير مالي محترم على الصعيد الدولي يؤكد فيه مجدداً أن العالم لا يزال معتمداً بل ومدمناً بشراهة على الزيت الأسود وأنه السلعة الأهم اقتصادياً والأشد تأثيراً من دون استثناء.

هناك مؤسسات مالية ضخمة بدأت توصي عملاءها بالاستعداد لواقع اقتصادي جديد يكون سعر برميل النفط فيه 200 دولار أميركي، وهذا سيكون مسألة باهظة التكلفة على اقتصاد العالم، لأنه وقتها سيبلغ معدل التضخم مستويات خطيرة ومرعبة للغاية.

والواضح أن هناك فزاعة تستخدم لإشاعة الذعر من رفع أسعار النفط بشكل مبالغ فيه، فأسعار النفط كانت «منخفضة جداً» قبل انطلاقة الحرب الأخيرة إلا أن ذلك لم يمنع من وصول التضخم إلى معدلات مقلقة ومؤلمة اقتصادياً.

وأصبح ربط انخفاض أسعار النفط بالصالح الاقتصادي العالمي حالة ذهنية مطلقة حتى لو طال التضخم وارتفاع أسعار كل السلع الأخرى من دون استثناء إلا أن النفط يجب أن يبقى مستثنى أو هكذا يراد لنا أن نتصوره.

يرى دانيال يرغين، المؤرخ البارز في مجال الطاقة، أن العلاقة بين النفط والحروب هي علاقة عضوية واستراتيجية؛ فالنفط ليس مجرد وقود، بل هو «الجائزة» الكبرى التي تحرك السياسة العالمية وتحدد مسار النزاعات العسكرية.

والنقاط الجوهرية لهذه العلاقة، حسب تحليلات يرغين، تكمن في مسائل مهمة، إذ يؤكد يرغين أن الحرب العالمية الأولى كانت نقطة التحول التي جعلت النفط «دم المعركة». ومنذ ذلك الحين، أصبح تأمين الإمدادات مسألة أمن قومي لا يمكن التنازل عنها، مما دفع الدول الكبرى للدخول في صراعات للسيطرة على منابعه.

ويصف يرغين الحرب العالمية الثانية بأنها احتوت على «حرب نفط» داخلها. ويرى أن هزيمة ألمانيا واليابان كانت حتمية بسبب فشلهما في الوصول إلى حقول النفط (مثل باكو في الاتحاد السوفياتي)، بينما انتصر الحلفاء لأنهم «طفوا إلى النصر على بحر من النفط».

في كتابه الشهير «الجائزة» (The Prize)، يوضح يرغين كيف أن السيطرة على خطوط الإمداد والمضائق المائية (مثل مضيق هرمز) أصبحت سبباً مباشراً للحروب، كما حدث في حرب الخليج، حيث كان منع احتكار مورد واحد (مثل صدام حسين) لإمدادات الطاقة العالمية دافعاً رئيسياً للتدخل الدولي.

وهناك السيناريو الكابوسي: يحذر يرغين في تحليلاته الحديثة من أن أي صراع إقليمي في الشرق الأوسط، خصوصاً مع إيران، قد يؤدي إلى انقطاع الإمدادات، مما يسبب صدمة اقتصادية عالمية تفوق أثر المعارك العسكرية نفسها.

تغير الموازين بسبب النفط الصخري: يشير إلى أن «ثورة النفط الصخري» في أميركا غيرت قواعد اللعبة، حيث قللت من ارتهان الولايات المتحدة للنزاعات الخارجية لتأمين طاقتها، مما أعاد تشكيل الخريطة الجيوسياسية للحروب المحتملة.

باختصار، يرى يرغين أن التاريخ المعذّب للقرنين العشرين والحادي والعشرين هو في جوهره قصة صراع على القوة التي يمنحها النفط لمن يملكه. واليوم يشهد العالم على فصل جديد لذلك.