تَعِد الانتخابات النصفية الأميركية في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل بأن تكون استثنائية بكل ما للكلمة من معنى.
إنها «اختبارات» بالجملة في يوم واحد، قد تسهم بفرض حسابات مختلفة على الفترة الرئاسية الثانية للرئيس دونالد ترمب، وتعيد تعريف مصالح الأجنحة - أو ما تبقى منها - في الحزبين الكبيرين، الجمهوري والديمقراطي.
في رأس أولويات الجمهوريين، بلا شك، تحصين وضع «سيّد البيت الأبيض» في وجه معارضة تزداد نقمتها بالتوازي من تشديد ترمب، وجناح اليمين المتشدد الذي يدعمه، قبضته على «السلطات الثلاث»، التنفيذية والتشريعية والقضائية، التي قلّما هيمن عليها... ليس فقط أحد الحزبين، بل جناح بعينه في الحزب المهيمن.
في الحزب الجمهوري لا يوجد اليوم «تعايش» بين جناحين أو تيارين، أحدهما معتدل والثاني متشدد، وهذا بعدما تلاشى واقعياً أي صوت اعتراض أو تحفّظ قادر على الدفع باتجاه حوار داخلي، أو التعديل في مسار يمكن ألّا يكون مريحاً لقطاعات عريضة من الشارع الأميركي.
الحال لم يكن على ما هو عليه الآن عبر تاريخ الجمهوريين بعد «الحرب الأهلية الأميركية» في النصف الثاني من القرن الـ19. وأكثر من هذا، كان معظم الجمهوريين، وبالأخص، في شمال شرق الولايات المتحدة ووفق معايير عديدة، إلى «يسار» الديمقراطيين في ولايات الجنوب الزراعية.
في تلك الفترة كان الديمقراطيون، تبعاً لمصالحهم كملَّاك أراضٍ زراعية واسعة، متحمّسين للإبقاء على الرّق الذي يؤمن لهم أيدي عاملة رخيصة سوداء مجلوبة من أفريقيا. ومن الناحية الدينية كانوا، بغالبيتهم، محافظين بروتستانتيين (بالأخص، من معمدانيي الجنوب).
وفي المقابل، كان جمهوريو الشمال يصنعون ثرواتهم عبر الصناعة والتجارة والمصارف والتعليم ورعاية الابتكار والتقدم التكنولوجي. ومع نمو المدن، وازدهار الصناعة والخدمات والتمويل و«ثورة النقل والاتصالات»، صارت مدن الشمال، وبالذات الشمال الشرقي، «مناطق جذب» للمهاجرين الأوروبيين الطموحين النشيطين من مختلف الأديان والثقافات.
اختصاراً، يمكن القول، إن المعادلة «الحزبية» هذه استمرت حتى أواخر القرن الـ19، ولم يتبدل فيها سوى الانهيار التدريجي للحزب الديمقراطي في ولايات الجنوب الانفصالي... التي خسرت «الحرب الأهلية» على يد الرئيس الجمهوري العظيم أبراهام لنكولن.
المفصل المهم الآخر، كان «الصفقة الجديدة» في النصف الأول من القرن الـ20 في عهد الرئيس فرانكلن روزفلت (1933 - 1945). ومعها اتخذ «التدخل الحكومي» في الاقتصاد بُعداً مهماً في أعقاب كارثة «الكساد الكبير» التي تراكمت عواملها إبّان فترة شبه احتكار الجمهوريين «البيت الأبيض» قبيل الحرب العالمية الثانية.
للتوضيح، لا بد من الإشارة هنا إلى أن الرئيس الديمقراطي وودرو ويلسون (1913 - 1921) ربما ما كان ليحكم لولا انقسام الجمهوريين حينذاك بين الرئيسين السابقين ثيودور روزفلت ووليام هوارد تافت. وحقاً، بعد ويلسون، استعاد الجمهوريون «البيت الأبيض» طيلة عهود الرؤساء وارين هاردينغ، وكالفن كوليدج، وهربرت هوفر بين 1921 و1933.
بعد ذلك، عاشت الولايات المتحدة «الحرب الباردة» وحقبة «اليمين المكارثي» (نسبة للسيناتور الجمهوري اليميني المتشدد جوزيف ماكارثي). ثم شهدت فترة «حرب فيتنام» و«حركة الحقوق المدنية»... ومعهما أخذ المضمون «الآيديولوجي» للحزبين الجمهوري والديمقراطي يتغيّر.
ثم، بعد نهاية «الحرب الباردة»، إثر انهيار «جدار برلين» والاتحاد السوفياتي ترسخت الهويتان الجديدتان للحزبين الكبيرين. إذ غدا الحزب الجمهوري منبر اليمين المحافظ، وصار الحزب الديمقراطي ملاذ طيفٍ من القوى النقيضة من الليبراليين وسطاً إلى الديمقراطيين الاشتراكيين يساراً.
في معارك الترشّح الأخيرة للانتخابات النصفية، يجوز القول إنه ساد نوع من «السكون» معسكر الجمهوريين، حيث لم يستطع - أو يشأ - أي مرشح جدّي، أو تيار يعتدُّ به شقّ عصا الطاعة، وطرح بديلٍ صريح عن «الترمبية» المسيطرة على كل مفاصل الحزب. وتأكد هذا الأمر، قبل أيام، في التصويت لتسمية وزير العدل الجديد تود بلانش... المحامي السابق لترمب. ولكن في الساحة الديمقراطية، رأينا المشهد مختلفاً تماماً.
هنا، بعدما كانت كلمة «ليبرالي/ليبرالية» أقرب إلى «سُبّة» في قاموس تيار الرئيس رونالد ريغان (1981 - 1989) وتياره الجمهوري المحافظ، ما عاد يسار الديمقراطيين يتحرّج من استخدام كلمة «اشتراكية» في حملاته الانتخابية الأخيرة. بل إن «عميد» هذا اليسار، السيناتور بيرني ساندرز، يعتبر نفسه اشتراكياً قبل أن يكون ديمقراطياً، وأن للديمقراطيين في الكونغرس راهناً أعضاء يصفون أنفسهم بأنهم «اشتراكيون ديمقراطيون».
وبالأمس، في ولايات شمالية مهمة، مثل ميشيغان وويسكونسن ومينيسوتا، كان التنافس الداخلي للفوز بترشح الحزب الديمقراطي مثيراً جداً. وتابعه المعلّقون والمحللون بعناية لدراسة مدى تزايد الراديكالية التغييرية في الحزب ضد قياداته الديمقراطية الوسطية «المطمئنة» إلى دعم «اللوبيات» التقليدية.
في ميشيغان، فاز عبد الرحمن السيد، المرشح الاشتراكي لعضوية مجلس الشيوخ، على الرغم من وقوف حاكمة الولاية غريتشن ويتمر والمؤسسة الحزبية ضده وتأييدهما منافسته. وفي مينيسوتا، أيضاً فازت نائبة الحاكم والمرشحة الاشتراكية لعضوية مجلس الشيوخ بيغي فلاناغان - وهي من الأميركيين الأصليين - بفارق كبير.
العكس حصل في ويسكونسن، حيث خسرت الاشتراكية (الآسيوية الأصل) فرانشيسكا هونغ، ولو بفارق ضئيل جداً، أمام منافسها الأفرو - أميركي، لكن الأمر اللافت أن أبرز قادة اليسار في حزبها - وعلى رأسهم ساندرز - امتنعوا عن تأييدها ضده.
بناءً عليه، الصورة لا تزال غير مكتملة. وأتوقع حدوث أمور كثيرة حتى نوفمبر المقبل، ولا أستبعد شيئاً، لا سيما بوجود خوارزميات «الأوليغارشيين» وأموال «اللوبيات» وإعلام الشّحن والتحريض والتضليل.
