عبدالله بن بجاد العتيبي
كاتب سعودي مهتم بالحركات الإسلامية والتغيرات في الدول العربية، وله عدة مؤلفات حول ذلك منها «ضد الربيع العربي» وله أبحاث منها: «القابلية للعنف والقيم البدوية»، نشر في 2006. و«السرورية» 2007. و«الولاء والبراء، آيديولوجية المعارضة السياسية في الإسلام» 2007. و«الإخوان المسلمون والسعودية الهجرة والعلاقة» 2010. قدم عدداً من الأوراق البحثية للعديد من مراكز الدراسات والصحف. شارك في العديد من المؤتمرات والندوات، وهو خريج جامعة المقاصد في بيروت في تخصص الدراسات الإسلامية.
TT

القيصر الأميركي الرابع عشر

استمع إلى المقالة

أسماء الملوك الكبار في التاريخ سواء كانت تعبر عن حقائق تاريخيةٍ أم ألقابٍ تفخيميةٍ اختلفت من حضارةٍ لغيرها ومن أمةٍ لأخرى، فكان الأباطرة في اليونان القديمة وفرنسا بعد الثورة، والقياصرة في روما القديمة وروسيا الحديثة، وفي الإمبراطورية الفارسية «شاهنشاه» وتعني «ملك الملوك» أو «كسرى»، وفي الإمبراطورية المغولية كان يسمى «جنكيز خان» أو «قاهر العالم»، وهكذا في أسماء تفخيميةٍ لا تنتهي.

اختار الإنجليزي نايجل هاملتون وهو أحد أشهر كتاب السير الذاتية المعاصرين عنواناً لكتابه عن تاريخ الرؤساء الأميركيين هو «القياصرة الأميركيون» اقتباساً مما كتب قبله عن «قياصرة روما»، باعتبار أن لقب «القيصر» يعبر عن أقوى الملوك والحكام في زمنه، وهو يرى صادقاً أن الرؤساء الأميركيين هم أقوى الرؤساء في العالم في الفترة التاريخية الحديثة والمعاصرة.

لو قدّر لنايجل هاميلتون إخراج جزء ثانٍ من كتابه، لكان أمامه القيصر الـ13 باراك أوباما والقيصر الـ14 دونالد ترمب والقيصر الـ15 بايدن، وكان سيسود الكثير من الصفحات على المنهج الذي اتبعه في كتابه، ولربما ذكر أن أوباما كان رئيساً مثقفاً ومفوهاً، وكان ديمقراطياً ليبرالياً يسارياً، ولكنه دعم مجازر شنيعةٍ في العالم العربي كان أخطرها رؤيتان؛ الأولى تسليم مقاليد الحكم في الدول العربية لجماعات الإسلام السياسي، وهو ما فعله فيما كان يعرف بـ«الربيع العربي»، والثانية توقيع اتفاقٍ نوويٍ مع إيران يمنحها الشرعية في بناء الأسلحة النووية ويمنحها شرعيةً أكبر في بناء الميليشيات وبسط النفوذ والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وقد سقط جراء هاتين الرؤيتين ملايين القتلى في المنطقة.

يمكن لغير نايجل هاميلتون من طلبة السياسة وكتاب السير المعاصرين أن يخرج جزءاً ثانياً على منواله، وسيكون القيصر الرابع عشر دونالد ترمب مثيراً جداً بوصفه جمهورياً محافظاً يمينياً، وأن شخصيته طغت على توجهاته؛ فهو بكل المقاييس مثيرٌ للجدل كاسرٌ للقواعد مهتمٌ بتغيير كل شيء في العالم، من النظام الدولي إلى استقلال الدول.

القيصر الـ15 بايدن سيمرّ مثل فاصلةٍ في التاريخ، فهو تابعٌ غير خلَّاقٍ لسياسات أوباما، وهو ينجرف دون وعيٍ خلف كل سياسات اليسار الليبرالي الأميركي، الداخلية والخارجية، ولم يستطع استيعاب دروس التاريخ ولا الوعي بمنطقه، ولهذا استبدل به حزبه في الترشح لولايته الثانية، نائبته كامالا هاريس، وفشلت في مواجهة العودة المظفرة للجمهوري ترمب.

من طبيعة القياصرة الأميركيين أنهم في ولايتهم الثانية ينداحون كثيراً مع رؤاهم وسياساتهم أكثر من ولايتهم الأولى، وهكذا فقد أصبح بالإمكان للرئيس ترمب أن يباشر ما يريده من سياساتٍ قويةٍ وقراراتٍ حاسمةٍ ومواقف غير مسبوقةٍ، مما أثار كثيراً وكثيراً جداً من الجدل حول العالم، إن في القضايا الدولية أو الإقليمية أو المحلية داخل أميركا.

قد توجّه انتقاداتٍ حادةٍ ضد ترمب في خوضه الحرب ضد إيران، غير أن المعروف تاريخياً هو أن الرؤساء الديمقراطيين كانوا دائماً سباقين لخوض الحروب العنيفة أكثر من الجمهوريين.

ليس في السياسة حبٌ وبغضٌ، ولا ارتياحٌ ولا جفاء، بل هي المصلحة والمصلحة وحدها، ومن هنا فإن جهود بناء التحالفات هي سياسةٌ سعوديةٌ تعبر عن قيمة التطور في الوعي السياسي؛ من «تحالف دعم الشرعية» في اليمن إلى «التحالف الإسلامي ضد الإرهاب»، وصولاً إلى «تحالف الدفاع البحري متعدد الجنسيات»، وليس انتهاء بـ«اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وباكستان وتركيا، وهذا أساس كبيرٌ يستحق الإشادة في الوعي بالمرحلة المستقبلية المقبلة للمنطقة.

الأسد الجريح أخطر من الأسد الصحيح، والسياسات الغربية في منطقتنا تحمل في تضاعيفها ما لا يطمئن، وما لا يمكن الركون إليه في السياسات الكبرى الحاكمة واقعاً ومستقبلاً، والعاقل خصيم نفسه وأدرى بتحصيل مصالحه ودرء المخاطر عن بلده، ولهذا يخطئ الكثيرون في قراءة السياسات الواقعية والعملية التي تواجه بها السعودية ودول الخليج الأخطار المحيطة بعد الحرب الأميركية - الإيرانية الحالي.

أخيراً، فالسياسة لا تحتمل الحديّة القاطعة، مع أو ضد، بل تلعب على التوازنات، وهي كذلك لا تعرف الاستعجال الذي يريد كل شيء ويريده بأسرع وقتٍ، ويبقى التوازن مفهوماً حاكماً في الثقافة وفي المجتمع وفي السياسة.