أنطوان الدويهي
أستاذ جامعي لبناني
TT

من يحارب في الغرب؟

استمع إلى المقالة

في ذلك النهار الشديد البرودة من شتاء 2022، شنّ فلاديمير بوتين هجومه الكاسح المفاجئ على أوكرانيا، آملاً استسلامها خلال أيام، كان انطباعي شبه المؤكّد أنه لو تناول الهجوم، بدلاً من أوكرانيا، إحدى دول أوروبا الغربية الكبرى، لكان مصيرها الاستسلام المحتوم. وطوال هذه الأعوام الأربعة والنصف عام التي انقضت على ذلك الهجوم، وما شهدته الحرب الروسية - الأوكرانية من خسائر بشرية مريعة، ودمار عمراني واقتصادي وتراثي هائل، وصعوبة الحسم في اتجاه أو آخر، ما زال انطباعي هو نفسه، بل تأكّد لديَّ أكثر. فإقامتي الطويلة في باريس، ومعرفتي المباشرة بالغرب الأوروبي، وعشرات المقالات التحليلية التي صغتها عن القارّة الأوروبية، تجعلني أدرك تمام الإدراك مدى غربة الشعوب الفرنسية والألمانية والبريطانية والإيطالية والإسبانية وغيرها عن فكرة الحرب، التي أضحت في نظرهم شبحاً عبثياً مرفوضاً من أشباح الماضي المأساوي الطويل، الذي عانوا منه الأمرّين ونجحوا أخيراً في دفنه عميقاً، ولا يريدون العودة مطلقاً إليه. ما جعل حلف شمال الأطلسي آنذاك، خصوصاً بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، أشبه بهيكل عظمي لا يجدي ولا يخيف.

لهذه الأسباب، كان للهجوم الروسي على أوكرانيا وقع الصاعقة على شعوب أوروبا الغربية ودولها، وقد أخرجها فجأةً من سباتها العميق. لكن الانتقال من حلم السلام الدائم إلى كابوس الحرب، لا يتحقّق بين ليلة وضحاها. فما زالت شعوب أوروبا الغربية، على الرغم من المساعدات العسكرية والمادية الضخمة المقدمة إلى كييف، تمنِّي النفس بأنَّ الحرب الروسية - الأوكرانية ليست سوى «سحابة صيف» عابرة يعود بعدها السلام الموعود، بينما الشعب الأوكراني يخوض معركة حياة أو موت، ستقرّر مستقبله في الأزمنة المقبلة.

وبعد سنوات أربع من الهجوم الروسي على أوكرانيا، وقع أواخر شهر فبراير (شباط) نفسه من عام 2026 الهجوم الأميركي - الإسرائيلي الكبير على إيران. كانت هنا أيضاً ضربة عسكرية صاعقة بهدف إسقاط نظام ولاية الفقيه، وإثارة انتفاضة شعبية تودي به. لكن الحرب هنا أيضاً لم تحقق غايتها، وما زال الصراع يتوالى فصولاً إلى أجلٍ غير معلوم، واضعاً المنطقة كلّها أمام خيارات مصيرية.

وكما كان وقع الحرب الروسية - الأوكرانية على الداخل الأوكراني شديد الاختلاف عن وقعه على شعوب أوروبا الغربية، كذلك كان وقع الهجوم على إيران ونتائجه مختلفاً بشدة بين الداخل الإسرائيلي والداخل الأميركي والغربي عموماً. وبينما هناك أكثرية ساحقة من يهود إسرائيل تتجاوز الـ90 في المائة تريد الآن استئناف الحرب مع إيران، لا تتعدّى هذه النسبة الـ30 في المائة من الرأي العام الأميركي، ما يفسّر، إضافةً إلى عوامل أخرى، مواقف ترمب.

إلى ماذا يشير هذا الواقع؟ يشير أوّلاً إلى أن هناك الغرب المحارب والغرب غير المحارب. وفي الحقيقة، الغرب في مجمله غير محارب، باستثناء نوعين من المجتمعات: الأوّل هو أوكرانيا وما يحيط بها من دول أوروبية شرقية عانت مثلها طويلاً من الهيمنة الروسية، وهي مستعدّة للقتال حتى الرمق الأخير لعدم العودة إلى ما كانت عليه. والنوع الثاني هو المجتمع الإسرائيلي الذي أقدم على مغامرة استيطانية كبرى في فلسطين، وهو يخوض الآن معركة من معاركه الوجودية.

لكن إلى جانب ذلك، تبقى صورة الحرب والسلم في الغرب أكثر تعقيداً بكثير مما تبدو عليه. فالغرب، الأميركي والأوروبي على حدّ سواء، منقسم بعمق بين تيارين كبيرين: من جهة، التيار الليبيرالي المنفتح على العولمة، وعلى أشكال الحياة والقيم غير الكلاسيكية، وعلى جموع القادمين إلى الغرب من مجتمعات آسيا وأفريقيا، ومن الجهة الأخرى، التيار القومي المتشدًد، المتمسّك بالهوية الوطنية وبالقيم المحافظة، والمناوئ لموجات الهجرة إلى الشمال. يبقى الرمز الأكثر شيوعاً للتيار الأوّل هو باراك أوباما، وللتيار الثاني دونالد ترمب. والصراع بين التيارين حادّ ومصيري، لا هوادة فيه.

أين تقع، وسط ذلك، الحرب على إيران؟ مما لا شك فيه أن التيار الليبيرالي الأممي، إنْ في أوروبا أو في أميركا الشمالية، بأحزابه وقادته وإعلامه وجامعاته ومراكز أبحاثه وقواه الاقتصادية، هو، وراء شعاراته وأطروحاته المختلفة، متعاطف ضمناً مع إيران، ومراهن عليها لإطالة أمد الحرب، وتحميل التيار القومي خسائرها البشرية والاقتصادية، على أمل إسقاط جبهة ترمب في المعارك الانتخابية المقبلة، ومنع القوميين الأوروبيين من الوصول إلى حكم فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وسواها. فعدوّ هذا التيار الأخطر هو المعسكر القومي المحافظ الذي ينافسه على إدارة المجتمع، وليس إيران المتوارية خلف البحار والمحيطات.