حين اندلعت الحرب مع إيران في أواخر فبراير (شباط)، قفز سعر وقود الطائرات حتى تجاوز 4.80 دولار للغالون في أبريل (نيسان)، ولم تنتظر شركات الطيران طويلاً، فرفعت أسعار التذاكر خلال أيام وألغت ملايين المقاعد، ثم هدأت الأسواق قليلاً، ونزل الوقود في يونيو (حزيران) إلى 2.80 دولار، أي أقل من ذروته بنحو 40 في المائة، لكن المسافر لم يرَ شيئاً من ذلك، إذ بقيت التذاكر أعلى مما كانت عليه قبل عام بأكثر من 20 في المائة، وحين سُئل مستشار في قطاع الطيران عن هذا التناقض أجاب بصراحة نادرة: «إذا كان الناس سيدفعون، فلماذا تعيد لهم المال؟»، وهذه الجملة تختصر سؤالاً أوسع من الطيران بكثير: لماذا تنقل الشركات ارتفاع تكاليفها إلى المستهلك في الحال، ثم تتباطأ حين تنخفض هذه التكاليف؟
يسمي الاقتصاديون هذه الظاهرة «الصاروخ والريشة»؛ فالصاروخ ينطلق إلى الأعلى في ثوانٍ، والريشة إذا أفلتّها من يدك تظل تتهادى في الهواء زمناً طويلاً قبل أن تلامس الأرض، والأسعار كذلك، تقفز مع أول زيادة في التكلفة، وتنزل على مهلٍ حين تنخفض، وقد صاغ هذا الوصف الاقتصادي البريطاني روبرت بيكون عام 1991 وهو يدرس أسعار البنزين في بلاده، فلاحظ أن المحطات ترفع أسعارها مع ارتفاع النفط بسرعة لا تقابلها سرعة مماثلة حين يهبط، وكل من يملك سيارة يعرف المشهد: ترتفع اللوحة على باب المحطة في اليوم الذي يُعلن فيه ارتفاع النفط، فإذا هبط النفط مرت أسابيع قبل أن يتغير الرقم.
وقد يظن القارئ أن هذا مجرد انطباع، فالإنسان يتذكر الزيادة لأنها تؤلمه، وينسى الانخفاض لأنه لا يلفت انتباهه، لكن الاقتصادي سام بيلتزمان من جامعة شيكاغو أخذ السؤال إلى البيانات عام 2000، فتتبع أسعار 242 سلعة بين استهلاكية وصناعية، ووجد النمط نفسه في أكثر من ثلثيها، بل وجد أن استجابة السعر لارتفاع التكلفة تبلغ ضعف استجابته لانخفاضها على الأقل، وأن هذا الفارق يبقى ما بين 5 و8 أشهر، أي أن البنزين لم يكن استثناءً، بل كان أوضح الأمثلة على قاعدة عامة.
والأمثلة لذلك كثيرة، فحين بلغ سعر الكاكاو ذروة تاريخية عند 12 ألف دولار للطن عام 2024، ارتفع لوح شوكولاتة (كادبوري) في أستراليا من 6 دولارات إلى 8، ثم انهار الكاكاو إلى 2.600 دولار للطن في فبراير الماضي، ومع ذلك بقي اللوح عند 8 دولارات، وفي البنوك يتكرر المشهد بصورة أخرى، فحين ترفع البنوك المركزية الفائدة يرتفع قسط القرض في الشهر التالي، أما العائد على حساب التوفير فيتأخر طويلاً قبل أن يلحق به.
ويفسر الاقتصاديون ذلك بثلاثة أسباب متداخلة؛ أولها: أن المستهلك يراقب الزيادة ويغضب منها، لكنه لا يبحث عن الانخفاض ولا يعرف موعده، فلا يعاقب من يتأخر فيه، وثانيها: أن كل شركة تنتظر أن تبدأ غيرها بالخفض، لأن من يبدأ يتنازل عن جزء من أرباحه دون أن يضمن أن يتبعه الآخرون، وثالثها: أن السعر الجديد يصبح مع الوقت هو السعر «الطبيعي» في ذهن المشتري، فلا يعود يقارنه بما كان.
والفرق بين سرعة الصعود وبطء النزول ليس تفصيلاً حسابياً، بل هو مال حقيقي ينتقل من جيب المستهلك إلى هامش ربح البائع، في كل يوم تبقى فيه الريشة معلقة في الهواء، وقد لاحظ بيلتزمان أن الظاهرة تتضخم كلما طالت السلسلة بين المنتج والمشتري، فالمصنع والموزع وتاجر الجملة وتاجر التجزئة يحتفظ كل منهم بجزء صغير من الانخفاض، حتى لا يصل إلى المستهلك إلا ما لا يكاد يُذكر، ويشتد الأمر حين تقل المنافسة، فقد ارتفع متوسط التذكرة الداخلية في أميركا هذا الخريف 39 في المائة عن العام الماضي، وغاب الانخفاض المعتاد بعد موسم الصيف، وجاء ذلك بعد خروج شركة «سبيريت»، وهي إحدى الشركات منخفضة التكلفة التي كانت تكسر الأسعار عادة.
غير أن للشركات روايتها، وفيها ما يستحق الإنصاف، فكثير منها يشتري وقوده وخاماته مسبقاً، فتصل إليه موجة الانخفاض متأخرة كما وصلته موجة الارتفاع، وشركات الطيران تحديداً لم تنقل كل الزيادة إلى المسافر، فـ«يونايتد» لم تسترد حتى يونيو إلا أقل من نصف ما زاد من تكلفة الوقود، والقطاع كله يعمل بهامش ربح لا يتجاوز 2 في المائة، ثم عاد الوقود فارتفع في أغسطس (آب) إلى 3.75 دولار، ووجد بيلتزمان نفسه أن الظاهرة تكاد تختفي حين يكون قرار التسعير بيد جهة واحدة، كسلسلة متاجر كبيرة تشتري مباشرة، وهذا يعني أن العلة في طول السلسلة وضعف المنافسة أكثر منها في جشع شركة بعينها، ولهذا اتجهت بعض الحكومات إلى الشفافية بدل تحديد الأسعار، فألمانيا أنشأت منذ 2013 جهة تنشر أسعار الوقود في المحطات لحظة بلحظة، وولاية غرب أستراليا تلزم المحطات بإعلان سعر الغد مسبقاً وتثبيته 24 ساعة، حتى يعرف المستهلك أين يذهب ومتى.
وفي النهاية، فإن الريشة لا تنزل لأن أحداً قرر إنزالها، بل لأن الجاذبية تعمل عليها ببطء، وجاذبية الأسعار هي المنافسة وانتباه المشتري، فإذا كان الصاروخ يعرف طريقه إلى الأعلى وحده، فمن سيلاحظ الريشة وهي تتأخر في الهواء، إن لم يكن المستهلك نفسه؟
