يصعب اليوم العثور على قضية أقل شعبية في بريطانيا من الدفاع عن حق اثنين، ممن تسببوا في مقتل شرطي، في الاستفادة من الإفراج المبكر. ففي عام 2019 لقي رجل الشرطة أندرو هاربر مصرعه بعدما سُحل، عندما تعلقت ساقه بحبل في سيارة يستقلها لصوصٌ فارّون من سرقة. وحُكم على كل من جيسي كول وألبرت باورز بالسجن 13 عاماً بتهمة القتل غير العمد.
وفي محاولة لمواجهة أزمة اكتظاظ السجون ونقص الزنازين قد يستفيدان من نظام يسمح بالإفراج عنهما قبل قضاء المدة كاملة.
وتبع غضب عائلة هاربر احتجاج كبار ضباط البوليس ونقابتهم، وجمعت عريضة تطالب ببقائهما خلف القضبان قرابة مليون توقيع. وأعلن رئيس الوزراء أندي بيرنهام أنه يبحث عن وسيلة لإبقائهما في الحبس. لكن كيف؟
هنا تتحول قضية سجينين إلى معضلة تواجه الحكومة بين ثلاث مسؤوليات: حماية الجمهور، والحفاظ على نظام سجون فاعل، والالتزام بالقوانين حتى غير الشعبية منها.
وللديمقراطية بُعد رابع: الرأي العام. فكيف تتجاهل مليون موقّع على عريضة تدعم أسرة فقدت ابنها، أو مخاوف الضحايا وتحذيرات البوليس؟ فالناخب سيتذكر السياسي الذي يتجاهل الرأي العام عند صناديق الاقتراع. لكن الديمقراطية لا تعني الحكم باستطلاعات الرأي. فالعريضة يمكنها دفع البرلمان إلى تغيير القانون، لكنها لا تستطيع تغيير الحكم الصادر على سجين بعينه.
وهنا المعضلة القانونية. فرئيس الوزراء، برغم أغلبيته البرلمانية، لا يملك سلطة إبقاء سجينين بعينهما خلف القضبان إذا كانت قواعد الإفراج التي أقرها القانون تشمل الفئة التي ينتميان إليها. فالحكومة نفسها خاضعة للقانون، وأي قرار تتجاوزه يمكن الطعن فيه أمام القضاء.
واستثناء فئة من الإفراج المبكر يستلزم تحديدها بقانون وفق معايير واضحة، تتعلق مثلاً بنوع الجريمة أو صفات المجني عليهم، لا بأسماء سجناء بعينهم. وهنا تبدأ حلقة مفرغة؛ فكل فئة جديدة يستثنيها القانون تعني بقاء مزيد من السجناء في سجون تعاني أصلاً من الاكتظاظ الذي استدعى الإفراج المبكر. فحل المشكلة السياسية قد يزيد تفاقم المشكلة العملية التي أدت إليها.
وتزداد المعضلة تعقيداً خارج السجن. فقد حذرت مفوضية بوليس العاصمة من تزايد ضغوط مراقبة المجرمين الخطرين بعد الإفراج عنهم؛ ففي لندن وحدها أكثر من عشرة آلاف مسجل في قوائم مرتكبي الجرائم الجنسية، وتفرض مراقبتهم أعباء متزايدة. وأظهرت قضية أحدهم بصورة مأساوية ثمن إخفاق النظام في متابعتهم؛ فقد انتهى به الأمر إلى قتل امرأتين واغتصاب أخرى. فالإفراج المبكر بالنسبة للضحايا ليس مجرد حل لأزمة. فإخراج السجين من بوابة السجن ينقل مسؤولية مراقبته وحماية المجتمع إلى أجهزة أخرى تعاني بدورها من نقص الإمكانات.
والبعض يطالب بترحيل عشرة آلاف سجين أجنبي إلى بلدانهم. لكن بعض الدول لا تقبل عودتهم، بجانب عقبات قانونية، كما أن اتفاقيات نقل السجناء قد تكون متبادلة. وقد يكون ترحيل الأجانب جزءاً من الحل، لكنه ليس حلاً سحرياً لاكتظاظ السجون، ثم يدخل البرلمان في المعضلة. فالبرلمان في عطلته الصيفية، ويعود مجلس العموم في الأول من سبتمبر (أيلول). وتملك الحكومة أغلبية تستطيع بها تمرير تشريع بسرعة إذا قررت تغيير فئات المستحقين للإفراج المبكر. لكن سرعة التشريع لا تعني بالضرورة سلامته قانونياً. والتشريعات الجنائية التي تصاغ تحت ضغط الغضب الشعبي، أو بسبب قضية صادمة، غالباً ما تخلق مشكلات غير متوقعة.
والمفارقة أن مقتل أندرو هاربر نفسه يقدم مثالاً على الطريق الدستوري الصحيح؛ فقد قادت أرملته حملة انتهت بما عُرف بـ«قانون هاربر»، الذي شدد العقوبة في حالات قتل أفراد خدمات الطوارئ أثناء أداء واجبهم.
هكذا عمل النظام: أثارت الجريمة غضب الرأي العام، فتحول الغضب إلى حملة سياسية، ثم ناقش البرلمان الأمر وغيّر القانون. لكنه لم يعد بأثر رجعي ليغير الأحكام الصادرة على أشخاص بأسمائهم. وهذا هو الفارق الذي تواجهه الحكومة اليوم. فقد يكشف الغضب الشعبي خللاً في القانون، لكنه لا يحدد بالضرورة كيفية إصلاحه. فإذا استُثني من الإفراج المبكر مَن أدين بقتل شرطي، فماذا عن بقية جرائم القتل غير العمد؟ وماذا عن المجرمين الخطرين الذين يخشى ضحاياهم عودتهم؟ كل حد قانوني يرسم فئة جديدة، ويترك قضية أخرى خارجه. وكل استثناء يعني سريراً آخر مشغولاً في سجن مكتظ.
يستطيع البرلمان عندما يعود أن يغيّر القانون، وقد يرى ضرورة لذلك. لكن قدرة الحكومة على تمرير قانون بسرعة لا تعني أن الحكمة يمكن استعجالها بالسرعة نفسها. فالديمقراطية تلزم الحكومة بالاستماع إلى غضب الرأي العام، وسيادة القانون تلزمها بألا تجعل ذلك الغضب نفسه قانوناً.
