في كل مناسبة تشارك فيها المملكة العربية السعودية، وفي كل محفل دولي، تسعى إلى تذكير المجتمع الدولي بمسؤولياته تجاه ما يحدث في فلسطين. ومن يراجع بياناتها وتطورَ اللغةِ من الدبلوماسية إلى الضغط، والمطالبة بخطوات عملية لوقف الانتهاكات في غزة والضفة الغربية، وحماية المقدسات، ودعم صمود الفلسطينيين، ورفض خطاب الكراهية والعنصرية، وإرهاب المستوطنين، يدرك حجمَ ما آلت إليه الأوضاع وتداعياتها من وجهة نظر المملكة، التي ما فتئت منذ أول لقاء للملك الموحد عبد العزيز (طيب الله ثراه) مع روزفلت، على الإصرار على الحق الفلسطيني.
هناك كرة لهب ضخمة تتشكل في المنطقة وببطء، ولا يمكن لمن لا يراقب ما وراء الأحداث المتلاحقة والإيقاع السريع للأزمات وتفاصيلها أن يتنبه إلى خطورته، والمقلق أنه قد ينفجر ويصبح من الصعب احتواؤه، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار كبير فيما إذا كان قادراً على حماية القواعد التي وضعها بنفسه، في ظل الانفلات الأمني في المنطقة.
عايش جيلي وتابع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي طويلاً، كما تتابعه بشكل أكثر التصاقاً أجيال عربية وإسلامية بحكم تدفق المحتوى عبر الأقنية الرقمية، وكانت لكل مرحلة مفرداتها: احتلال، انتفاضة، مفاوضات، تسوية، عملية سلام، حل الدولتين. أما اليوم فنحن ندخل مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا يجادل فيها الناس حول شكل التسوية فقط، وإنما حول جدوى التسوية ذاتها، ويكثر التساؤل عن دور المؤسسات الدولية ولماذا تعطل وفُقدت الثقةُ في هذه المؤسسات.
ما يحدث في الضفة الغربية مثال كاشف وفاضح حيث عنف المستوطنين الإسرائيليين لم يعد سلسلة من الحوادث المعزولة التي يمكن وضعها تحت عنوان «التوترات الأمنية»، حيث انتقل من ردة الفعل إلى نشاط محموم استباقي منظم مرتبط بفكرة كارثية تتصل باستهداف علاقة الفلسطينيين بالأرض، وتهجير السكان، وإلى منتصف سبتمبر (أيلول) من هذا العام، وثّقت الأمم المتحدة أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين أسفر عن إصابات فلسطينية أو أضرار في الممتلكات أو كليهما، بمتوسط 6.7 حادث يومياً، واتسعت رقعة المجتمعات الفلسطينية المتضررة بصورة كبيرة.
هناك ما يمكن وصفه بـ«العدمية السياسية» تتنامى اليوم، وهي في نظري أخطر من التطرف التقليدي. فالمتطرف قد يقتنع بفكرة راديكالية يمكن دحضها، بينما «العدمي» يبدأ من الاعتقاد بأنَّ النظام الدولي والعالم باتا من دون جدوى أو معنى حيث لا قانون يحمي، ولا مؤسسات لديها القدرة على إيقاف هذا الصلف الإسرائيلي. كما أنَّ المفاوضات والحلول المطروحة كل مرة ليست سوى إدارة طويلة للمأساة، وهذا سيكون خطراً ليس على إسرائيل بل على العالم الذي يسعى إلى السلام، لأنَّ كثيراً من «العدميين» يتحولون إلى كتلة مأزومة تبحث عن بدائلَ خارج المؤسسات والدولة والقانون.
ولا أحسب أنَّ هذا الإحباط مما يحصل في فلسطين على مرآى ومسمع من العالم هو شعور عربي أو إسلامي فقط، بل هناك تحولات في ظني أكثر جذرية ونمواً في العالم الغربي نفسه، خصوصاً بين الأجيال الجديدة والاستطلاعات تؤكد ذلك؛ على سبيل المثال لا الحصر تحدث مركز «بيو» الذي يحظى باحترام كبير في مجتمع الباحثين في استطلاع أُجري في مايو (أيار) 2026 عن أن 58 في المائة من الأميركيين دون الثلاثين يتعاملون بإيجابية كبيرة مع الحق الفلسطيني، في حين أن النظرة الإيجابية إلى تصرفات الحكومة الإسرائيلية المتطرفة لم تتجاوز 18 في المائة. وهذه التحولات تعكس أنَّ ثمة أجيالاً جديدة باتت تتأثر بالمشهد اليومي من المأساة الفلسطينية، وقوة تأثير الصورة الحية والمباشرة للمنازل المهدمة والمصابين واعتداء المستوطنين وبلطجتهم واستيلائهم على أراضي الفلسطينيين وسرقة محاصيلهم تحت مرأى ومسمع ومساعدة جنود الاحتلال.
المفارقة أنَّ هذه التحولات المجتمعية في الداخل الأميركي لم تتحول إلى ما يكافئها على الأقل من السياسة الرسمية، إذ ألغيت العقوبات التي فرضت في يناير (كانون الثاني) 2025، على أفراد وجماعات مرتبطة بعنف المستوطنين في الضفة. وفي سبتمبر 2026 برز خلاف أميركي أوسع مع المحكمة الجنائية الدولية، وصل إلى بحث عقوبات واسعة بسبب ملفات، من بينها ملاحقات تتعلق بالسلوك الإسرائيلي، مقابل تطور كبير في المواقف الأوروبية. ولا شك أنَّ الموقف الأوروبي يعدُّ تطوراً كبيراً لكنه لم يغير شيئاً في الواقع السياسي المرير.
وبما أنه مع ولادة القضية الفلسطينية وُلد معها خطاب انتهازي يستخدم فلسطين ولا يخدمها، فإن تداعيات ما يحدث في الضفة وغزة سيضاعف من التحديات الأمنية في المنطقة، خصوصاً مع استثمار الدول والميليشيات للقضية الفلسطينية، الذي بدأ منذ عقود بهدف بناء النفوذ، وتبرير السلاح خارج مؤسسات الدولة، وشرعنة التدخل في الدول العربية من دون أن تساهم هذه الشعارات في تحرير شبر واحد من أرض فلسطين، لأنَّ هدفها هو تحويل المأساة الفلسطينية إلى رأس مال سياسي دائم.
وهنا تبرز أهمية الدور الذي تقوده السعودية ودول الاعتدال في المنطقة؛ فاستمرار الضغط السياسي والدبلوماسي، مهما بدا بطيئاً، بدأ يترك أثراً في المواقف الأوروبية، ويعيد القضية الفلسطينية إلى مركز النقاش الدولي، وفي عالم مضطرب تتراجع فيه الثقة بالمؤسسات، يظل هذا المسار هو الرهانَ الأكثر عقلانية: حماية فكرة السياسة نفسها من الانهيار، ومنع العدمية من أن تتحول إلى البديل.
