مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

الفناء من أجل الوهم

استمع إلى المقالة

لماذا تحارب الدول والجماعات!؟ هل السبب «الوحيد» هو التنافس والصراع على المصالح والموارد المادية!؟

تظهر هذه المصالح على شكل أراضٍ أو ثروات نفطية وغازية ومعادن وزراعة، أو مياه ومراعٍ في السابق، أو بحار ومضايق ومعابر!؟

هذا سبب أكيد، لكن هل هو السبب الوحيد!؟

على ذكر المياه والبحار والمضايق، فقد تفاخر المرشد الإيراني المحتجب، مجتبى علي خامنئي، مؤخراً بسيطرة نظامه وحرسه على مضيق هرمز وبحر العرب، كما زعم.

بعيداً عن فخريات مجتبى، توقفت عند هذه الفقرات لعلاقتها بحديث اليوم، البيان جاء بمناسبة ذكرى اندلاع الحرب الإيرانية-العراقية، وقال فيه مجتبى المحتجب عن الأنظار، بالنص إن «هناك اليوم من يعدّنا رابع قوة عظمى في العالم»، لكنه استدرك فقال إن إيران هي «القوة الأولى في العالم» وفق «الحسابات الإلهية». ليس هذا فحسب، فقد تفاخر خامنئي بالاجتماعات الليلية التي ترعاها الدولة لحشد أنصاره في ميادين رئيسية في طهران ومدن إيرانية أخرى. وقال إن أكثر من 30 مليون إيراني أعلنوا استعدادهم لـ«التضحية بأنفسهم».

وتوقع أن تكون «الأيام المقبلة أكثر مجداً بكثير من هذه الأيام». ليس مهماً صدق دعاوى خامنئي هذه أم أنه أراد التضليل، لكن تخيل معي مدى تلذذه وهو يقول إن هناك أكثر من 30 مليون إيراني سيموتون من أجل النظام!؟

هل هانت الحياة لديه لهذه الدرجة!؟ هل هو حقاً كما يشاع عنه من العقائديين المؤمنين بقرب نهاية الزمان!؟ هل يرى العالم كما يراه بقية الناس! الرجل لم يكتفِ بتصنيف نفسه رابع قوة عظمى في العالم، يعني بعد أميركا وروسيا والصين... هذا قليل، هو بحكم الله، أعظم قوة في العالم كله.

لذلك من الواجب فهم واستبطان عقل النظام الحاكم في إيران، فالمرشد هو قلب النظام ومجمع أعصابه ومحركها. فهم هذه الآلية وكيف تعمل وكيف تفكر وكيف ترى، شرط ضروري لصناعة السياسات الملائمة معها.

قد يقال إن الرجل يقول هذه التهويمات من باب الحرب النفسية ورفع المعنويات، لكن أي إيغال في أدبيات التيار الخميني - المجتبوي، نسبة لمجتبى، سيدرك أننا أمام منظومة ثابتة من جنس هذه الأفكار الخلاصية الملحمية.

نعم هم يصنعون عالمهم الخاص، حتى لو أن مجتبى خامنئي لم يظهر علناً، منذ مقتل والده في بداية الضربات الأميركية نهاية فبراير (شباط)، كما لم يُنشر له تسجيل صوتي أو مصور موثق منذ اختياره مرشداً في 8 مارس (آذار).

حتى مسعود بزشكيان، رئيس الجمهورية، قد قال في وقت سابق إن التواصل مع خامنئي «صعب جداً في الوقت الحالي»، وهناك فقط دائرة محدودة من كبار المسؤولين تلتقيه بصورة مباشرة. حتى مع صور الهزيمة والخوف والقلق هذه، وحتى مع تفاقم العوز والانهيار الخدماتي والاقتصادي، حتى مع هذا كله، هناك عدسات خاصة بعيون النظام ومرشده، ينظرون للعالم بها.

خلاصة القول جواباً عن سؤال الافتتاح: هل تقاتل الدول والجماعات فقط من أجل أسباب مادية مباشرة!؟

الجواب: لا. ربما كان القتال بل الفناء الجماعي من أجل أفكار تجريدية... وهذه أخطر أنواع الحروب.