د. حسن أبو طالب
كاتب مصري، مستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
TT

إثيوبيا... صعوبة ضبط العلاقة بين المركز والأقاليم

استمع إلى المقالة

تدور تساؤلات كثيرة حول المواجهات التي اندلعت في غضون الأسبوع الماضي بين قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، والقوات الفيدرالية، والتي هي امتداد لمواجهات محدودة منذ أغسطس (آب) الماضي، لكنها تطورت تدريجياً، واتسع نطاقها الإقليمي، وتزامنت مع مواجهات أخرى في إقليمَي الأمهرا وأورميا.

تعدد المواجهات وارتفاع أعداد القتلى من كل الأطراف، وشيوع مظالم فئوية وعرقية، وتشكل تنظيمات مسلحة تجد بيئة محلية حاضنة لها وتمُدها بالعناصر البشرية... يطرح الكثير من التحديات على السلطة الفيدرالية، بما في ذلك مستقبل الفيدرالية ذاتها، وضبط العلاقة بين المركز والأقاليم، وإدارة العلاقة بين القوميات المختلفة في ظل ادعاءات متبادلة بأن قومية أخرى استولت على مناطق تتبعها من دون تدخل من المركز، ناهيك عن الشعور بالتهميش وغياب العدالة في توزيع العوائد الفيدرالية بين الأقاليم. ويمكن أن نضيف تدخلات خارجية متعددة المشارب والتوجهات، الكثير منها يزيد الأمر تعقيداً وصعوبة، ويدفع إلى لغة السلاح بدلاً من لغة المباحثات والمفاوضات وتفعيل أسس الفيدرالية المنضبطة.

المواجهة الراهنة بين جبهة تحرير تيغراي والقوات الفيدرالية تختلف عن تلك المواجهات التي استمرت لمدة عامين (2020 - 2022) وانتهت باتفاق بريتوريا برعاية أفريقية، الذي لم تطبق عناصره على أرض الواقع، إلا في أمور محدودة، أبرزها تعيين رئيس جبهة تيغراي آنذاك مستشاراً لرئيس الوزراء آبي أحمد، وإنشاء إدارة انتقالية للإقليم، في حين ظل البند الخاص بدمج عناصر الجبهة المسلحين والمُدربين على القتال في الجيش الإثيوبي من دون تفعيل، ما يجعل الاتفاق بلا قيمة بالنسبة إلى الكثير من أعضاء الجبهة. ومع تجاهل تعويض الذين تضرروا من القتال، ومنهم أناس عاديون فقدوا مصادر العمل والرزق، وتردُّد المركز في إعادة تأهيل الإقليم تنموياً، تشكلت قوة دفع مرة أخرى لجبهة تحرير تيغراي لتجذب العديد من المُضارّين للانضمام كمسلحين لقوات الجبهة، وتصحيح الأوضاع مع المركز بالقوة.

اللافت للنظر هنا أنَّ تبرير الجبهة برئاسة نائب الرئيس أمانويل أسيفا للبدء في السيطرة على المؤسسات التي تعكس الحضور الفيدرالي، لا سيما المطارات والمواقع العسكرية، ربط الأمر بمفهومَين ذوَي مغزى؛ الأول أنَّها حرب دفاعية شاملة عن الإقليم وناسه. والثاني أن تلك التحركات العسكرية هي لرد غزو قوات المركز الفيدرالي؛ بمعنى آخر أنها ذات طبيعة استباقية.

في المقابل، ترى سلطة المركز أن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي منظمة إرهابية، خطفت الإقليم ومصيره إلى المجهول، ولن يحقق تمردها العسكري شيئاً؛ فالجيش الإثيوبي أكثر عدداً وتسليحاً، ويمتلك قدرات حديثة من المدفعية والطائرات المسيّرة، والقوات الجوية.

الحقائق العسكرية المجردة تعطي الأفضلية للجيش الفيدرالي، وفي الآن نفسه تظل محدودة القدرة في إخضاع منظمات عسكرية تشكلت في عمق أقاليم فيدرالية عدة، منذ فترات بعيدة، وتمتلك قدرات بشرية تتزايد بفعل غلبة الشعور الجماعي بالمظالم، وغياب أي سياسة فيدرالية لتصحيح الأوضاع سلمياً، كما تطمح هذه المنظمات إلى تصحيح العلاقة مع المركز بالقوة المسلحة، ما دامت الأساليب السلمية والالتزام بالدستور غائبَين. ويلاحظ أن إعلان تشكيل تحالف، أو بالأحرى تفاهم سياسي، لم يتبلور بعد في إطار ميداني وعملياتي، بين سبعة فصائل مسلحة من قوميات وأقاليم مختلفة، تضم تنظيمات مسلحة في تيغراي والأمهرا وأورميا والأوغادين الصومالي، يجعل المواجهة ذات أبعاد شاملة، وليست محدودة في نطاق إقليم بعينه.

بيد أن الأمر يتطلب التحفظ على احتمال أن يؤدي هذا التحالف إلى مواجهة شاملة في الدولة الإثيوبية ككل. صحيح أن هذا التحالف يُعد شكلاً جديداً من التمرد المسلح الجماعي في إثيوبيا، لكنَّه لا يعالج التباينات الفكرية والسياسية والمصلحية بين هذه المنظمات العسكرية، والقول إنه يهدف إلى إسقاط حكومة آبي أحمد يؤشر إلى حرص هذه المنظمات على الصيغة الفيدرالية للدولة، مع فتح نقاش حول ترتيبات الدولة في مرحلة ما بعد سقوط الحكومة الحالية، ما يجسّد أن هذه المنظمات ليست لديها حتى اللحظة رؤية متفق عليها لليوم التالي.

التباين الفكري والموضوعي بين أطراف التحالف المعارض عسكرياً، وعدم قابلية حل القضايا والإشكاليات السياسية الداخلية بالقوة المسلحة، يعكسان قدراً من الفشل السياسي العام. وهو في ذاته يفتح باب المناورات الخارجية. وهنا مع الحديث الرسمي لأديس أبابا عن قدرٍ ما من التدخل الإريتري لدعم كل من تنظيم فانو الأمهري، وجبهة تحرير تيغراي، ومع عدم تجاوز النفي الرسمي الإريتري لهذا السلوك، تبدو المواجهة الراهنة مختلفة موضوعياً عن المواجهة السابقة؛ إذ ساعدت إريتريا الحكومة ضد جبهة تيغراي، بفعل ميراث عدائي بين الطرفين تبدل ليكون تحفظاً على سلوك أديس أبابا، وربما تأييداً للتمرد العسكري ضدها، ما يثير تساؤلات جمَّة عن أسباب فقدان الحكومة الفيدرالية تأييد قوى مختلفة في الخارج والداخل معاً في زمن قصير.