حينما يدخل المرء إلى منزله، تحدث مفارقة لافتة، فما إن يفتح الباب حتى يندفع نحوه «كلبه» ليستقبله بحفاوة وكأنه عاد من سفر طويل، بينما ترفع القطة رأسها لتتأمل القادم للحظات، ثم تعود إلى ما كانت منشغلة به، وكأن شيئاً لم يحدث.
هذه المفارقة المحورية في سيكولوجية القطة هي ما تدفعنا للتعلق بها. فهي لا تظهر كل مشاعرها، مثل بعضنا، إذ يضطر من يتعامل معها إلى بذل جهد مضاعف لاستمالتها وليحظى باهتمامها. القطة تحافظ دائماً على مساحة من الاستقلالية.
ولذلك كان لافتاً ما وجده الباحثون حين وضعوا قططاً وكلاباً أمام مشكلة يستحيل حلها. التفتت الكلاب إلى أصحابها مراراً، وكأنها تستنجد بهم، بينما أمضت القطط وقتاً أطول محاولة حل المشكلة بنفسها.
وربما يعود ذلك إلى جذور تاريخية قديمة. فالكلاب عاشت ردحاً من الزمن تتعاون مع الإنسان في الصيد والحراسة وغيرهما، أما أسلاف القطط فكانت في الأصل حيوانات منفردة، اقتربت من تجمعات البشر، حيث وجدت ضالتها في القوارض التي تصطادها. كأن العلاقة منذ البداية قامت على شيء من الاستقلال، ولسان حالها يقول: لي حياتي ولكم حياتكم، لكننا يمكن أن نتعايش!
غير أن استقلال القطة لا يعني أنها لا تكترث بنا. فقد أظهرت الدراسات أنها تميز صوت صاحبها من أصوات الغرباء. المثير أنها قد تسمعه وتحرك أذنيها أو رأسها نحوه، من دون أن تكلف نفسها عناء النهوض إليه. إنها، إن جاز التعبير، تسمعنا جيداً، لكنها لا ترى ضرورة لأن تثبت لنا ذلك كل مرة... هي دلالة سلوكية عميقة تستحق التأمل.
وربما هذا هو سر جاذبيتها. فنحن البشر نطارد القبول والاهتمام، ونفسر كل شاردة وواردة من نظرات وكلمات، ونرهق أنفسنا أحياناً بما يظنه الآخرون عنا. أما القطة فتبدو أكثر انشغالاً بنفسها.
قد لا تكون القطة غير مبالية كما نعتقد، إلا أنها تعرف متى تبالي ومتى تمضي في حال سبيلها. هي مهارة لم يتقنها كثير من البشر بعد.
