هناك جدال كبير بين عدد غير قليل من الخبراء بخصوص ما إذا كانت الحرب العالمية الثالثة قد بدأت بالفعل. لم تبدأ الحرب العالمية الثالثة بالمعنى الرسمي، فلا يوجد إعلان حرب بين القوى الكبرى ولا تعبئة عامة، ولكننا دخلنا إلى ما يسميه الخبراء «حرباً على حافة العالمية»، وهذا هو الخطر الحقيقي؛ لأنَّ الحروب العالمية لا تبدأ ببيان، ولكنها تبدأ بأزمات متفرقة ومختلفة تتصل ببعضها بعضاً فجأة، كما حدث في عام 1914، والذي كان شرارة انطلاقة الحرب العالمية الأولى، ولكن ما الذي يجعل خريف 2026 مختلفاً؟... لدينا اليوم خمس جبهات تتنافس على الموارد نفسها والذخيرة الدقيقة والدفاعات الجوية والنفط والرقائق؛ وهذه تستهلك قدرة أميركا وروسيا والصين على إدارة أزمتين في الوقت نفسه، هما أزمتا أوروبا وأوكرانيا، والشرق الأوسط، مع عدم إغفال خطورة وحيوية ما يحصل في الممرات البحرية في مضيق هرمز وباب المندب، علماً بأن الإنفاق العسكري اقترب من ثلاثة تريليونات دولار في عام 2025، وشهد ارتفاعاً بنسبة 14 في المائة في قارة أوروبا وحدها.
ربما تكون أكبر مفاجآت هذه الحروب أنها لن تبدأ بجيوش تعبر القارات وتخترق الحدود، بل بترابط دقيق في ساحات الصراع المعقدة، بحيث يغير قرار عسكري في منطقة حسابات منطقة أخرى بعيدة، دون إعلان رسمي، فنحن لسنا في حرب عالمية ثالثة بعد، لكننا في نظام دولي هش جداً، وهامش الخطأ فيه أصبح مكلفاً أكثر من أي وقت مضى.
في الحرب العالمية الأولى الأزمة بدأت في البلقان، وبعدها بدأت التحالفات والمصالح والحسابات على دول مختلفة ثم اضطرارها للاعتراف بعد ثلاث سنوات بأن هناك حرباً عالمية كبرى، وهناك طبعاً العديد من الخبراء يعتقدون أن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت فعلاً، فالوضع في أوروبا غريب جداً. فهولاندا قامت بنقل مخزون ذهبها من كندا وأميركا إلى إنجلترا. وروسيا تتحرش بألمانيا وتواصل استفزازها لها. واقتصاد العالم يعاني بشكل جدي لا يمكن إغفاله. الصراع واضح جداً على التحكم في الموارد والنفوذ والممرات البحرية، وأصبح ذلك واضحاً وضوح الشمس. كل الملفات الملتهبة ترجح فعلاً أننا دخلنا بشكل فعلي وعملي مرحلة الحرب العالمية الثالثة، حتى لو خفف العديد من الخبراء من هذا التصور، ولكنها الحقيقة التي باتت واضحة أمام أعيننا، والتي تستوجب التعامل مع كونها واقعاً لا مفر منه.
هناك عدد مهم من المسؤولين والخبراء أدلوا بدلوهم في هذه المسألة، منهم جيمي ديمون، وهو رئيس أكبر بنك في العالم «جي بي مورغان»؛ إذ قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2024: «الحرب العالمية الثالثة بدأت بالفعل. المعارك تُخاض على الأرض ويتم تنسيقها عبر دول متعددة... ندير سيناريوهات ستصدمك».
أما البروفسور جيفري ساكس، وهو خبير الاقتصاد في جامعة كولومبيا، فألقى محاضرة في مارس (آذار) 2026 تحت عنوان «نحن فعلاً في بدايات الحرب العالمية الثالثة؟»، أشار فيها إلى أن الآليات التقليدية لاحتواء التصعيد كالدبلوماسية والخطوط الحمراء والوساطة؛ كلها بدأت تنهار. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، قال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث: «إنَّنا نعيش لحظة مشابهة لما كان في عام 1939»، الذي سبق اندلاع الحرب العالمية الثانية، محذراً من أن الأعداء يتحدون والتهديدات تتصاعد.
من جهته، قال رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان ذات مرة لتاكر كارلسون الإعلامي الأميركي الشهير: «إذا أرسلت أي دولة غربية قوات على الأرض إلى أوكرانيا، فهذا يعني حرباً مباشرة بين الغرب وروسيا، ونحن في حرب عالمية ثالثة على الفور. الحرب العالمية الثالثة تطرق بابنا».
الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش حذر من ذلك؛ إذ أشار إلى أنَّ العالم يستعد وفي حالة تأهب قصوى لبداية الحرب العالمية الثالثة. هل جميعهم على خطأ؟
