د. عبد الغني الكندي
رئيس الجمعية السعودية للعلوم السياسية والأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود
TT

كيف يستعيد الخليجُ العراقَ واليمنَ من إيران؟

استمع إلى المقالة

لا تقاسُ قوة التكتلات الإقليمية بقدرتها على حماية أعضائها فحسب، بل بقدرتها أيضاً على تشكيل جوارها، وتحويل مصادر التهديد فيه إلى شبكات من المصالح المشتركة. ولعل تجربة ألمانيا واليابان تقدم مثالاً تاريخياً مهماً؛ فقد كانتا في النصف الأول من القرن العشرين من أبرز مصادر التهديد للنظام الدولي، غير أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية اتجهت إلى إعادة بناء مؤسساتهما وإدماجهما في منظومات اقتصادية وأمنية أوسع، فأصبحت ألمانيا ركناً أساسياً في المنظومة الأوروبية، وارتبطت اليابان بالمنظومة الاقتصادية والأمنية الغربية، وتحولتا من قوتين صداميتين إلى دولتين ارتبطت مصالحهما بالتعاون والسلم والأمن الدوليين، كما أسهمت جاذبية العضوية في الاتحاد الأوروبي لاحقاً في دفع عدد من دول وسط وشرق أوروبا إلى إصلاح مؤسساتها السياسية والاقتصادية، وتكييف سلوكها مع المعايير الأوروبية.

ولا تقوم المقارنة هنا على مماثلة العراق واليمن بألمانيا واليابان أو بدول شرق أوروبا من حيث طبيعة النظام أو المسؤولية التاريخية، وإنما على استخلاص درس مؤسسي مفاده أن احتواء مصادر التهديد يصبح أكثر استدامة عندما يقترن بإعادة بناء الدولة، وتقديم حوافز مشروطة للاندماج في منظومة إقليمية تدفعها إلى تعديل سلوكها، وتجعل الاستقرار والتعاون جزءاً من مصالحها الوطنية، ويجعل سلوك الدولتين أكثر قابليةً للتوقّع، ويرفع درجة اليقين بشأن توجهاتهما. والمقصود هنا ليس استنساخ النموذج الديمقراطي للاتحاد الأوروبي، بل استعادة سيادة الدولة، من خلال احتكارها الشرعي لوسائل العنف والسلاح.

واليوم، تواجه دول الخليج معضلة مشابهة نسبياً، وإن اختلف الظرف التاريخي والبيئة الجيوسياسية؛ فقد وسعت إيران تهديدها للمنظومة الخليجية عبر جماعات مسلحة تعمل خارج المؤسسات الرسمية في العراق واليمن، وتمتلك هذه الجماعات أحياناً قدرات تتجاوز قدرة الدولة على الضبط الأمني، ومن ثم أصبح استقرار الخليج مرتبطاً بإعادة بناء الدولة في هذين البلدين، وحصر القوة المسلحة داخل مؤسساتهما الشرعية.

وتكشف التطورات العسكرية الأخيرة أن الردع، مهما بلغت قوته، يستطيع تعطيل قدرة فصيل مسلح أو رفع تكلفة هجماته، لكنه لا يستطيع وحده بناء دولة تحتكر القوة، أو إعادة تشكيل البيئة التي تنتج الجماعات المسلحة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى استراتيجية خليجية تجمع بين الردع الأمني، والإدماج الاقتصادي والمؤسسي، بحيث يسهم تفكيك السلاح الموازي، والحد من النفوذ الإيراني في إعادة بناء الدولة.

وفي هذا السياق، يمتلك مجلس التعاون الخليجي مواردَ واسعة، وأسواقاً كبيرة، وصناديق سيادية تريليونية، وبنية تحتية متقدمة، تؤهله لطرح مشروع إدماج متدرج يربط الحوافز باستعادة الدولتين سيادتهما. ومثل تجربة الاتحاد الأوروبي في توظيف جاذبية الاندماج لتعديل سلوك الدول الراغبة في الاقتراب منه، يمكن أن تبدأ الحوافز بالشراكة التجارية، والربط الكهربائي، والمزايا الجمركية، والاستثمارات، ثم تتطور نحو الاندماج في السوق الخليجية، وصيغ متدرجة من العضوية، وفق جاهزية الدولتين والتوافق الخليجي. وفي المقابل، تعلق هذه المزايا، أو تقلص عند استمرار السلاح الموازي، أو التمويل الخارجي للفصائل، أو استخدام أراضي الدولة للإضرار بدول الخليج.

وانطلاقاً من هذا التصور، يمثل الجنوب العراقي مجالاً جيوستراتيجياً مناسباً لبدء هذا المسار؛ فالبصرة وميسان والنجف ترتبط بامتدادات اجتماعية وعشائرية مع الجزيرة العربية، كما تجاور أجزاء من جنوب العراق السعودية. وتعاني المنطقة من نفوذ الجماعات المسلحة، وأزمات الكهرباء، والفقر، والبطالة، وتردّي الخدمات. ويمكن للمجلس دعم الربط الكهربائي، وتطوير الموانئ والمنافذ البرية، وتنويع مسارات صادرات النفط والسلع، وتوفير فرص عمل محلية عبر الاستثمار في الطاقة، والصناعة، والنقل، والخدمات الأساسية. وينطبق ذلك أيضاً على الأنبار التي تشكل قرابة ثلث مساحة العراق، وترتبط بحدود مباشرة وعلاقات عشائرية تاريخية مع السعودية ودول الخليج، وتحتاج إلى تطوير بنيتها التحتية، وربطها بالأسواق الخليجية.

غير أن نجاح هذا المسار يظل مشروطاً بانتقال العراق إلى مرحلة ما بعد الفصائل المسلحة، واستعادة الدولة وحدة قرارها السياسي والعسكري. ويعزز واقعية هذا المسار اتجاه مقتدى الصدر إلى إلحاق «سرايا السلام» بالدولة العراقية، والشروع في تسليم سلاحها إلى القوات الرسمية.

وهذا يعني أن المزايا الخليجية ليست (منحاً مجانية)، بل أدوات مشروطة بتوحيد القيادة السياسية والعسكرية، وحصر السلاح في الجيش والشرطة، وإنهاء وجود التشكيلات المسلحة الموازية للدولة، ودمج عناصرها المنضبطة في المؤسسات الرسمية، والابتعاد عن الخيارات الإيرانية التي تحول العراق إلى ساحة مواجهة مع محيطه العربي. وكما تبين دراسات الخيار العقلاني، يجب جعل عوائد التعاون أعلى من عوائد الانشقاق، فيكافأ الفاعل المتعاون، ويتحمل الفاعل المنشق تكلفة خياراته، فيقابل الالتزام المؤسسي توسيع الحوافز، ويؤدي التراجع إلى تعليقها أو تقليصها.

وفي المقابل، يختلف اليمن عن العراق في طبيعة أزمته وبنية دولته؛ فالعراق، رغم اختراق مؤسساته وازدواجية القوة فيه، لا يزال يمتلك دولة موحدة، ودستوراً، وموارد، ومؤسسات عاملة. أما اليمن فيعاني انقسام السلطة، وتفكك المؤسسات، وتعدد القوى المحلية، وسيطرة الحوثيين على مساحات من البلاد؛ ولذلك لا يكفي نقل الأدوات العراقية إليه، بل يتطلب احتواؤه مساراً يبدأ بتوحيد مؤسسات الدولة، ودعم التسوية السياسية، وبناء سلطة وطنية قادرة على بسط سيادتها.

ومع هذا الاختلاف، يمتلك اليمن مقومات اندماج قوية مع محيطه الخليجي، لا سيما السعودية، التي يعيش فيها ما يقارب مليوني يمني. وبحسب تقديرات البنك الدولي، تأتي نحو 90 في المائة من التحويلات المالية إلى اليمن من دول الخليج، منها61 في المائة من السعودية و29 في المائة من بقية دول المجلس؛ ما يجعل هذه التحويلات مصدراً حيوياً لدخل الأسر واستقرار الاقتصاد اليمني، كما اندمجت أجيال من الأسر والعمالة اليمنية في المجتمع السعودي، ويتحدر عدد لا بأس به من رجال الأعمال السعوديين من أصول يمنية، بما رسخ روابط عميقة بين البلدين. وتتضافر هذه الروابط مع التداخل الثقافي والقَبلي، والفرص الاستثمارية في الموانئ، والمعابر اللوجستية، والطاقة، والزراعة، والسياحة، والتعدين، والثروة السمكية.

ومن ثم، يمكن بناء يمن ما بعد الحوثي المسلح بربط الحوافز الخليجية بالتقدم في توحيد الدولة، واستعادة سيادتها، فتتوسع فرص الاستثمار، وتُولَّد فرص العمل داخل الاقتصاد اليمني، وتتنامى المزايا الجمركية وأشكال الاندماج الاقتصادي وصولاً إلى صيغ من العضوية، كلما تقدمت الدولة في توحيد مؤسساتها واحتكار السلاح، بينما تخفض المزايا أو تعلق عند الإخلال بوحدتها أو السماح بالتدخل الخارجي. وتوجه الاستثمارات بداية إلى المناطق المستقرة والموانئ والبنية الأساسية، بما يمنح المواطنين مكاسب ملموسة من خيار الدولة والسلام.

وفي حقيقة الأمر، لم ينحز المواطن العراقي أو اليمني إلى الشعارات الآيديولوجية لذاتها غالباً؛ فقد تسبب تدهور الاقتصاد، وفساد النخب، وانسداد البدائل السياسية في دفع شرائح اجتماعية نحو جماعات مسلحة ما دون الدولة. وحين يتوافر بديل مؤسسي يوفر الكهرباء، والعمل، والتعليم، والعلاج، والحياة الكريمة، ويخفض الفقر، والبطالة، تتراجع قدرة الشعارات الآيديولوجية على التعبئة والتجنيد السياسيين.

وهنا تتفوق دول الخليج على إيران بما يمتلكه مجلس التعاون من إطار مؤسسي جماعي، وأدوات تحفيزية فعالة، وقبول دولي، وقدرات تنموية واستثمارية، فضلاً عن روابطه الاجتماعية، والثقافية، واللغوية بالعراق، واليمن. ويتيح ذلك إعادة ربط البلدين بمحيطهما الطبيعي، وبالأسواق الخليجية ومنها بالاقتصاد العالمي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين البنية التحتية، وتوليد فرص عمل منتجة داخل العراق واليمن، بما يحد من البطالة، والهجرة، والاعتماد على الجماعات المسلحة، وتوسيع حركة التجارة، ودعم الاستقرار.

والأهم من كل ذلك، أن نجاح هذا المشروع يتطلب قدراً أكبر من التماسك والتوافق بين دول المجلس حول هدفه الاستراتيجي، كما يمكن أن يشكل بدوره فرصة لتعزيز التقارب بينها؛ فالخلافات الداخلية قابلة للتسوية، وهي مألوفة حتى داخل أكثر التكتلات رسوخاً، فقد حافظ الاتحاد الأوروبي على تماسكه وقدرته على الصمود رغم انسحاب المملكة المتحدة منه، بما تمثله من ثقل اقتصادي وسياسي وعسكري، بما يؤكد أن قوة التكتلات لا تستلزم غياب الخلافات، وإنما القدرة على إدارتها ومنعها من تعطيل المصالح المشتركة.

كما تجاوز مجلس التعاون أزمات كبيرة بفضل حكمة قياداته، وإدراكها وحدة المصير، والتاريخ المشترك. ومع امتداد التهديد الإيراني إلى دول الخليج كافة، يصبح التماسك الخليجي شرطاً لتفعيل منطق الفعل الجماعي، وتعزيز الأمن المشترك. وعندئذ يغدو بناء عراق ما بعد الحشد الفصائلي، ويمن ما بعد الحوثي المسلح، واستعادتهما إلى محيطهما الطبيعي، جزءاً من مشروع خليجي أوسع للحد من النفوذ الإيراني، وإنهاء حالة اختراق الدولة بالسلاح الموازي، ودعم الدولة الوطنية، واستعادة سيادتها.

وبذلك، تتحول سياسة الاحتواء إلى أداة لتوسيع دائرة المتعاونين ومكافأتهم، ودفع المنشقين إلى الهامش بوصفهم أقلية معزولة ومحرومة من مزايا الاندماج الخليجي.