د. عبد الغني الكندي
رئيس الجمعية السعودية للعلوم السياسية والأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود
TT

لماذا ستفشل التسوية؟ وأسباب اندلاع الحرب مجدداً

استمع إلى المقالة

لا تُستخدم الحرب دائماً بقصد التدمير وحده، فقد تتحول أحياناً إلى وسيلة قسرية لاستخراج معلومات عجزت المفاوضات عن كشفها. فعندما لا يعرف كل طرف حقيقة قوة خصمه، ومدى استعداده للصمود، وحدود ما يمكن أن يتحمله من خسائر، تصبح الضربة العسكرية اختباراً عملياً لهذه الادعاءات، ومن ثم تكشف الحرب عما إذا كانت التهديدات حقيقيةً أم مجرد مناورة، وتختبر مدى فاعلية الأسلحة والدفاعات، وصلابة التحالفات، وقدرة الأنظمة على مواصلة القتال.

تنطلق هذه الفكرة من السؤال الذي طرحه أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد جيمس فيرون في دراسته «التفسيرات العقلانية للحرب» عام 1995م، حيث تساءل: إذا كانت الحرب مكلِّفةً، وكان أطرافها عقلانيين، فلماذا لا يتوصلون إلى صفقة أفضل من القتال؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يُرجع فيرون تعذّر التسوية إلى نقص المعلومات وانعدام الثقة في مصداقيتها، ومشكلة الالتزام، والقضايا التي تبدو غير قابلة للتجزئة، إلى جانب أثر كلفة الجمهور في تضييق هامش التراجع بعد إطلاق التهديدات العلنية.

السبب الأول هو المعلومات الخاصة. فكل دولة تعرف عن قدراتها وإرادتها أكثر مما يعرفه خصمها، لكنها لا ترغب في كشف هذه المعلومات بصدق. فإظهار الضعف يرفع مطالب الخصم، بينما قد تقود المبالغة في القوة إلى انتزاع تنازلات أكبر. وهكذا تتحول المفاوضات إلى تبادل لإشارات لا يعرف أي طرف مقدار مصداقيتها. فإذا فشلت التهديدات والعروض في إقناع الخصم، تصبح الحرب وسيلةً مكلفةً لاكتشاف واستخراج المعلومات التي يُخفيها الخصم عن قوته واستعداده للقتال، حيث تكشف المواجهة قدراته الفعلية، ومدى تحمُّله الخسائر، ومصداقية تهديداته.

لكن حتى إذا توافرت المعلومات، فإنها لا تحل المشكلة تلقائياً؛ لأنها تحتاج إلى قدر من الثقة، فقد يقدم الطرفان بيانات أو ضمانات، لكن كل طرف يُشكك في أن الآخر يخفي جزءاً من الحقيقة أو يقدم معلومات مصممةً لتضليله. وهنا لا تعود المشكلة نقص المعلومات وحده، بل ضعف الثقة فيها وغياب وسيلة موثوقة للتحقق منها.

في المقابل، حتى إذا امتلك الطرفان معلومات دقيقةً وصحيحة، فقد تفشل التسوية بفعل «مشكلة الالتزام». فقد يكون الاتفاق مقبولاً في الحاضر، لكن أحد الطرفين يخشى أن ينقضه الآخر إذا تغير ميزان القوة لمصلحته. عندئذٍ قد يرى الطرف الأضعف أن الحرب الآن أقل كلفةً من الانتظار حتى يزداد خصمه قوةً ويفرض عليه شروطاً أشد.

بل إن الإشكال أبعد من ذلك، فحتى إذا أمكن معالجة مشكلة الالتزام بضمانات موثوقة، فقد تظهر عقبة أخرى عندما يتعلق النزاع بقضية يعتقد الطرفان أنها غير قابلة للتجزئة، مثل السيادة على إقليم، أو امتلاك قدرة استراتيجية حصرية. غير أن فيرون يرى هذا التفسير أقل قوةً؛ لأن كثيراً من هذه القضايا يمكن تنظيمها تدريجياً من خلال الصفقات والتعويضات، لتعود العقبة، في الغالب، إلى ضعف الثقة في تنفيذ الاتفاق.

ويضاف إلى ذلك أثر «كلفة الجمهور». فعندما يرفع القادة سقف تهديداتهم علناً أمام شعوبهم وحلفائهم، يصبح التراجع مكلفاً سياسياً؛ لأنه قد يُفسر ضعفاً أو فقداناً للمصداقية، فيضيق هامش التسوية، وقد يدفعهم إلى تنفيذ تهديداتهم.

وعند نقل هذا الإطار إلى الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، يتضح أن تعثر التسوية ارتبط بنقص المعلومات، وضعف الالتزام، والخلاف حول قضايا بدت غير قابلة للتجزئة، إلى جانب كلفة الجمهور.

فقبل المواجهة، لم تمتلك واشنطن وتل أبيب معلومات كافية عن مدى تقدم البرنامج النووي الإيراني، أو قدرة إيران على حماية منشآتها وتحمُّل الضربات والرد. وفي المقابل، لم تمتلك طهران معلومات عن أهداف خصومها: هل يريدون اتفاقاً أشد، أم تدمير قدراتها، أم إضعاف النظام نفسه؟ لذلك أخفى كل طرف جانباً من المعلومات المرتبطة بقدراته ونياته، فتحولت الحرب إلى وسيلة قسرية لاستخراج المعلومات المخفية التي تعذر كشفها تفاوضياً.

وحتى مع كشف المواجهة العسكرية عن فاعلية الدفاعات الإيرانية، وقدرة الصواريخ والطائرات المسيّرة على الرد، واستعداد الولايات المتحدة وإسرائيل لمواصلة العمليات، وقدرة إيران على الصمود، لم ينتهِ نقص المعلومات تماماً؛ لأن الثقة باتت ضعيفة، وظل كل طرف يُشكك في أن بيانات الآخر قد تكون مضللة.

كما ظهرت مشكلة الالتزام أيضاً، إذ خشيت الولايات المتحدة وإسرائيل أن تستغل إيران أي اتفاق لتخفيف الضغط، وإعادة بناء قدراتها النووية. وفي المقابل، خشيت طهران تقديم تنازلات نووية دون ضمان رفع العقوبات أو توقف الهجمات. أما التخصيب فلم يكن غير قابل للتجزئة تقنياً، حيث يمكن تحديد مستوياته، وربطه بالتفتيش، ورفع العقوبات تدريجياً، كما أظهر اتفاق أوباما النووي، لكن غياب الثقة جعل تكرار هذه الترتيبات غير مقنع.

وأخيراً، برزت كلفة الجمهور، إذ رفع الأطراف سقف تهديداتهم أمام الداخل والحلفاء، وربطوا مصداقيتهم بتنفيذها، فأصبح التراجع مكلفاً سياسياً، وضاق هامش التسوية.

أما دول الخليج فلم تقرر بدء الحرب، لكنها وجدت نفسها في قلب تداعياتها بحكم جغرافيتها، ومنشآتها، وأجوائها، وممراتها البحرية. وقد كشف ذلك عن نقص المعلومات بشأن أهداف الأطراف، وقدرات إيران، وضعف الثقة في تعهداتها، وغياب ضمانات موثوقة تحول دون توسيع إيران نطاق المواجهة. فقد امتدت الصواريخ إلى مدن خليجية، وتعطلت الملاحة في مضيق هرمز، وتصاعدت المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والتجارة. وبذلك بدا أن الحياد السياسي وحده لا يكفي لعزل دول المنطقة عن تداعيات الصراع، وأن أي تسوية قابلة للاستمرار تحتاج إلى آليات رقابة، وتنفيذ متدرج، وضمانات واضحة لأمن الخليج، حتى لا تبقى الحرب الوسيلة الأكثر كلفةً لاكتشاف قدرات الخصوم ونياتهم.

ختاماً، تكشف هذه الحرب أن القتال لم يكن نتيجة غياب التسوية الممكنة، بقدر ما كان نتيجة تعذر الوثوق بالمعلومات، والالتزامات المتبادلة بين أطراف الصراع. وقد دفعت دول الخليج كلفة هذا، رغم أنها لم تختر بدء المواجهة. ولن تتجدد الحرب إذا عولجت أسبابها، وفق إطار فيرون، من خلال معلومات قابلة للتحقق، والتزامات موثوقة، وتسويات مرنة، وخفض كلفة التراجع عن التهديدات. ولذلك سيظل أمن المنطقة مرتبطاً ببناء ترتيبات تمنع تحول الحرب مجدداً إلى وسيلة مكلفة لاكتشاف نيات الخصوم وقدراتهم العسكرية.