إذا وضعنا جانباً الولاءات المذهبيّة، طالعتنا بيئةٌ آيديولوجيّة مُتيّمة بالنظام الإيرانيّ، تضمّ قوميّين عرباً ويساريّين على أنواعهم. أمّا الجواب الآليّ لديهم عن سرّ الوَلَه بنظام إيران فأنّه «يقاتل إسرائيل وأميركا».
وتتبخّر، هنا، تحفّظات كبرى يُفترض بأصحابها ألاّ يبخّروها. فالقوميّ العربيّ يُفترض، تبعاً لقوميّته، أن يستوقفه الأذى الذي تُنزله إيران حاليّاً ببلدان الخليج العربيّة وبالأردن، استهدافاً لمطارات وفنادق ومجمّعات سكنيّة ومواقع اقتصاديّة أو إداريّة وحكوميّة. لكنّه، بدل ذلك، يشدّ على الأيدي التي تُلحق الأذى ويبارك أفعالها. ولا يثير أيّاً من اعتراضات قوميّينا الدور الإيرانيّ المفتِّت لليمن، والمانع للدولة في لبنان، ووقوع بلد بحجم العراق وبأهميّته في نطاق السطوة، العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة، الإيرانيّة.
وفي تأصيل الموقف هذا يستحيل عدم نسيان المدرسة، الموصوفة بالقوميّة، التي أسّسها حافظ الأسد حين وقف مع إيران ضدّ العراق في الحرب العراقيّة – الإيرانيّة. وهذا من دون أن تدفعه «إيران غيت» إلى شيء من التريّث وإعادة النظر.
وتُستعاد، هنا، وقائع ومعطيات أخرى يُستحسن تذكير القوميّين العرب بها، في عدادها معاناة عرب خوزستان، أو الأهواز، من دون أن يشفع لهم كونُ أغلبيّتهم على المذهب الشيعيّ. فتهميش السكّان اقتصاديّاً، في تلك البقاع الجنوبيّة الأغنى بالنفط والغاز، يجعل الأهوازيّين أفقر الفقراء الإيرانيّين. وفي 2021 كان الاحتجاج الواسع الذي عُرف بـ«انتفاضة العطش» تبعاً لتحويل مياه الأنهار على نحو أثّر سلباً في البيئة والزراعة وشروط الحياة، وهذا ناهيك عن التضييق على استخدام العربيّة في التعليم والكتابة، والاعتقالات الواسعة لأهوازيّين طالبوا ببعض حقوقهم، وهو ما بدأ مع احتجاجات 2005 ولم يكفّ عن التصاعد مذّاك.
وهذه أمور لا يجوز أن يسهو عنها قوميّ عربيّ يعتبر «بلاد العرب أوطاني»، تماماً كما لا يجوز أن يسهو اليساريّ عن تدمير النظام الحاليّ الحزبَ الشيوعيّ (تودة) وباقي فصائل اليسار في إيران. وكان الأمين العام للحزب نور الدين كيانوري أحد الذين عرضهم التلفزيون الإيرانيّ وهو يبكي ويعتذر بعد تعذيبٍ أجبره على «الاعتراف» بالتجسّس للاتّحاد السوفياتيّ مصحوباً بإدانة كاملة لحزبه ولماركسيّته اللينينيّة المعصومة. أمّا كبير مثقّفي الحزب إحسان طبري فأدّى ما تعرّض له من تعذيب، ماديّ ونفسيّ، واحتجازه أشهراً في سجن انفراديّ، إلى إشهاره دِيْن السلطة، وإدانته كلّ ما قرأ وما كتب قبل تلك الهداية الاضطراريّة. كذلك طالت شيفرة القمع «رفاقاً» من تنظيم «فدائيّي الشعب»، لجأوا إلى المناطق الكرديّة في الشمال كي يقاتلوا النظام من هناك، وفي وقت لاحق فرّ إلى أوروبا مَن لم يُقتل منهم.
ويُفترض باليساريّ، ومثله القوميّ العربيّ، ألّا يطيقا نظاماً يضع السلطة حصراً في أيدي رجال الدين، ويحكّم في المجتمع ومواطنيه طقوساً وأفكاراً بالية وقروسطيّة، كما يعامل المرأة على نحو يثير غثيان كلّ كائن معاصر، قبل أن يكون يساريّاً أو قوميّاً أو أيّ شيء آخر. وهذا كلّه فيما ينتصب الفقر الفلكيّ ندّاً لفساد فلكيّ ولتعاظُم في التفاوت الطبقيّ الهائل. والحقّ أنّ نهج الالتحاق بـ«القوى الوطنيّة المناهضة للإمبرياليّة والصهيونيّة»، والتخلّي عن كلّ قضيّة في سبيل هذه القضيّة، إنّما تغذّيا على تَعرٍّ متواصل من كلّ اكتراث بالأفكار التنويريّة والتقدّميّة.
وفي هذه الغضون كانت القوى «الوطنيّة المناهضة...» تذبح القوميّين واليساريّين، في عداد مَن تذبح، ناشرةً القهر والفقر والظلمة و«الخراب الجميل».
وبالطبع يبقى من حقّ القوميّ واليساريّ ألّا يحبّا أميركا وإسرائيل، وألّا يستهويهما النموذج السياسيّ والاقتصاديّ في الخليج أو الأردن أو أيّ بلد عربيّ آخر. لكنّ المُلاحظ أنّ هذا النزوع الضدّيّ حين يبلغ بأصحابه حدّ الذوبان في السياسات الإيرانيّة، يلغي الحاجة إلى العقائد عند الذين يعتنقونها، والتي تسبّب علّة وجودهم السياسيّ.
والحال أنّ هذا النهج عريق، سبق له أن جُرّب مراراً وشهدت عليه الضربات التي كيلت للقوميّين واليساريّين في العالم العربيّ والتي لم تصدر عن «الإمبرياليّة والصهيونيّة والرجعيّة»، بل عن «أنظمة وطنيّة مناهضة...» تشبه، في هذا الوجه، النظام الإيرانيّ.
فحزب البعث، العربيّ والاشتراكيّ في آن معاً، هو الذي قضى على سلام عادل، وأجهزةُ الأمن الناصريّ هي التي قتلت فرج الله الحلو وشهدي عطيّة الشافعي، وجعفر نميري، الناصريّ يومذاك، هو الذي أعدم عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ، والمذكورون هم بعض ألمع القيادات الشيوعيّة العربيّة في القرن الماضي. كذلك ما من طرف قتل ناصريّين وقوميّين وشيوعيّين أكثر ممّا فعل البعثيّون، وما من طرف قتل قوميّين وبعثيّين أكثر ممّا فعل الشيوعيّون.
وأغلب الظنّ أنّ سلوكاً كهذا إنّما ينمّ عن يأس أصحاب العقائد من جدوى عقائدهم فيما يرون الشبيبة تهجرها وتهجرهم في اتّجاهات شتّى، فيكتفون بالسعي إلى تأمين الحراسة من مَلاك حارس يهزّ لهم السرير في رقدتهم الأخيرة.
