اختتم أندي بيرنهام أسبوعه الأول رئيساً لوزراء بريطانيا بافتتاح مقر «رقم 10 الشمال» في مانشستر، بصحبة وزير المالية جون هيلي ونائبة رئيس الوزراء لويز هيغ. وقدّمه مقراً ثانياً للحكومة، و«غرفة عمليات للنمو»، يلتقي فيها الوزراء ورؤساء البلديات ورجال الأعمال لتجاوز بيروقراطية «وايتهول» (مقر الوزارات البريطانية) وتسريع اتخاذ القرار.
وقال بيرنهام: «من خلال هذا المكان ستتدفق السلطة».
عبارة جذابة، لكنها لم تجب عن السؤال البديهي: ما الذي يستطيع «رقم 10 الشمال» أن يفعله ولا يستطيع مقر رئاسة الوزراء في داوننغ ستريت، على بعد خطوات من البرلمان، أن يفعله؟
لا اعتراض على انتقال رئيس الوزراء إلى مانشستر، أو اجتماعه برؤساء البلديات وأرباب العمل خارج لندن. فالحكومة البريطانية طالما أدارتها نخبة تعرف «وايتهول» أكثر مما تعرف الأقاليم التي تحكمها. لكن تنقل رئيس الوزراء شيء، وإنشاء «داوننغ ستريت» موازٍ شيء آخر.
ويتوقع أن يعمل في المقر الجديد نحو 300 موظف حكومي بنهاية العام، بما يتطلبه ذلك من مكاتب وأمن واتصالات وانتقال موظفين من لندن.
فهل سيمتلك «رقم 10 الشمال» صلاحيات واضحة؟ فإذا استطاع رؤساء البلديات من خلاله الحصول على الأموال، وتجاوز اعتراض الوزارات، واتخاذ قرارات كانت محتجزة في «وايتهول»، يكون بيرنهام قد أنشأ أداة حقيقية لنقل السلطة.
أما إذا كان المطلوب منهم السفر إلى مانشستر بدلاً من لندن لطلب الإذن نفسه من الوزراء، فلن تكون السلطة قد خرجت إلى الأقاليم، بل ستكون الحكومة المركزية قد افتتحت فرعاً جديداً يؤدي العمل ذاته بتكلفة أعلى ورمز بريدي مختلف.
فالمعيار ليس أين يجلس الوزراء، بل هل انتقلت الأموال والصلاحيات والمسؤولية فعلاً خارج العاصمة.
ويكشف «رقم 10 الشمال» أيضاً جانباً أوسع في أسلوب بيرنهام في الحكم. فتحمل إعلاناته الأولى بصمة رئيس البلدية الناجح: تحديد مشكلة مألوفة، وإعلان علاج يحظى بالشعبية، ثم ترك السؤال الأصعب، وهو من سيدفع، إلى وقت لاحق.
فقد أعلن سقفاً وطنياً قدره جنيهان لتذكرة الباصات، ومساعدة في فواتير الطاقة، وخفضاً مقترحاً بنسبة 20 في المائة في ضريبة النشاط التجاري على الحانات والمقاهي والنوادي وقاعات الموسيقى الصغيرة. ولكل إجراء مستفيد واضح وعنوان صحافي جذاب.
لكن مصدر التمويل أقل وضوحاً.
فرئيس البلدية يوزع ميزانية يتلقاها من الحكومة المركزية، أما رئيس الوزراء فعليه أولاً جمع المال، ثم تمويل الصحة والتعليم والمعاشات والسجون وحماية الحدود والدبلوماسية والدفاع وخدمة الدين.
يستطيع رئيس البلدية أن يعد بمواصلات أرخص، أما رئيس الوزراء فعليه أيضاً أن يدفع نفقات الجيش.
ولم تخصص وزارة المالية، فيما يبدو، موازنة إضافية لهذه الوعود، بل تحدث الوزراء عن توفير الأموال من بنود أخرى، أو تحميل العبء لأنشطة أقل شعبية، مثل متاجر السجائر الإلكترونية وصالات القمار.
وهنا يبرز سؤال بسيط: من يقرر أن نشاطاً قانونياً أنفع للمجتمع من آخر؟ فكل تمييز في النظام الضريبي يخلق استثناءات، وكل استثناء يفتح باب الطعون.
بيرنهام يفهم الرأي العام وعناوين الصحف، وهو أكثر دفئاً ومرونة سياسية من سلفه. لكن الحكم لا يمكن أن يتحول إلى سلسلة من الوعود الجذابة تمولها وفورات لم تتحقق بعد، أو ضرائب تفرض على فئات لا تحظى بالتعاطف الشعبي.
والأكثر دلالة هي القضايا التي تجنبها. فقد ساهمت الهجرة غير القانونية وقوارب المهاجرين في انهيار الثقة بحكومة السير كير ستارمر، لكن بيرنهام لم يقدم سياسة واضحة تجاههما. كما لم يشرح كيف يمكن لبريطانيا ضمان طاقة أرخص وأكثر أمناً، مع استمرار التردد في الحديث بصراحة عن نفط وغاز بحر الشمال.
ومانشستر ليست شمال إنجلترا كله، فضلاً عن أنها ليست المملكة المتحدة. ومن حق نواب حزب العمال خارجها أن يتساءلوا إن كانت الحكومة تدرك أولويات ناخبيهم.
قد يصبح «رقم 10 الشمال» أداة جادة لتوزيع السلطة، لكن على الوزراء أن يوضحوا صلاحياته وتكلفته، وما القرارات التي يمكن اتخاذها فيه ولا يمكن اتخاذها في «داوننغ ستريت».
وإلا تحول أول مشروع مؤسسي كبير لبيرنهام إلى فيل أبيض مكلف، تحيط به ثقافة سياسية تتمحور حول العالم الذي يعرفه أكثر من غيره.
لقد أمضى سنوات ينتقد «فقاعة وستمنستر»، التعبير الذي يصف النخبة السياسية والإدارية والإعلامية المنغلقة على نفسها. فهل يكون وصوله إلى رئاسة الحكومة مجرد نقل الفقاعة إلى مانشستر؟
الفيل الأبيض يصف مبنى واحداً، أما «فقاعة مانشستر» فتصف أسلوباً في الحكم، وذلك هو الخطر الأكبر.
