مع انتهاءِ العام الأول من ولاية الرئيسِ الأميركي دونالد ترمب الثانية، يتأكد للمراقب أنَّ عودتَه لم تكن مجردَ حدثٍ انتخابي عابر، بل كانت تعبيراً صارخاً عن بلوغ النقمةِ الشعبية ضد المؤسسات التقليدية ذروتها. هذه العودة التي استندت إلى أغلبية صلبة في الكونغرس، منحتِ الرئيسَ ترمب تفويضاً لم يحظَ به الكثير من أسلافه، مما سهَّل عليه اتخاذ قرارات بدت في ظاهرها متمردة على العرف، لكنَّها في جوهرها تعكس دوراً وظيفياً يخدم مصالح عميقة في بنية الدولة الأميركية. ويبدو أن ترمب، بوعي، أو من دونه، يتقمَّص دور القائد الذي تقبل به القوى الفاعلة في الدولة العميقة لتنفيذ ما لا يجرؤ غيره على الاقتراب منه، وهو دور المنفذ الذي يتحمل العبء التاريخي لخطوات كانت تنتظر من يمتلك الجرأة على كسر الجمود المحيط بها. إنَّ المشاهد التي شهدها العالم خلال السنة الأولى من رئاسة ترمب، والتي تم تتويجها بالعملية المباغتة التي انتهت باقتياد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قصره، وصولاً إلى الأراضي الأميركية، إضافة إلى الإصرار على إعادة طرح ملف ضم غرينلاند رغم الممانعة الأوروبية، تشير إلى أنَّنا أمام نمط إداري يُطبق غالباً في المؤسسات الكبرى، سواء كانت تجارية، أو أكاديمية. ففي لحظات الأزمات الهيكلية، يتم استدعاء رئيس تنفيذي بصلاحيات استثنائية للقيام بمهمة محدَّدة المدى، تتمثل في إجراء مذابح إدارية، وتفكيك مراكز قوى قديمة، وإلغاء عقود لأسماء عريقة، بحيث يمهد الأرض لمن سيخلفه للعمل في بيئة مطهرة من الأعباء السابقة. هذا القبول الضمني من أجهزة الدولة لمثل هذه القرارات العنيفة يعكس رغبةً في تحقيق نتائج استراتيجية مع ترك التبعات الأخلاقية والسياسية لتقلبات شخصية الرئيس، ومزاجه السياسي. وفي سياق الوعود الكبرى التي أطلقها ترمب لإنهاء الحروب، كشفت تفاعلات العام الأول أنَّ الواقع الدولي أكثرُ ممانعةً من لغة الصفقات، والوعود الانتخابية. وما جرى في الملف الأوكراني، وكواليس التعامل مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يثبت أنَّ فك الاشتباك في الصراعات المعقدة يتطلب مسارات لا تكفي فيها الأوامر التنفيذية وحدها. ومن هنا يبرز وعي الدولِ الرشيدة في كيفية التعامل مع تقلبات واشنطن، حيث نجد النموذجَ السعوديَّ الذي يصرُّ دائماً على مأسسة الاتفاقات، وضمان مرورها عبر القنوات التشريعية في الكونغرس، ليكونَ ضمانةً حقيقية تخرج العلاقات الاستراتيجية من دائرة الرهان على الأوامر الرئاسية المتقلبة التي قد تتغيَّر بتغير القاطن في البيت الأبيض.
وبالنَّظر إلى الأفق القريب، فإنَّ الانتخابات النصفية التي تجرى هذا العام ستكون بمثابة الاستفتاء الشعبي على جدوى هذه الحالة الجمهورية، ومدى شعور الأميركيين بتغيير ملموس بعد حقبة ديمقراطية غادروا فيها المشهد كأقلية. هذه المحطة الانتخابية ستحدد مسار السنوات الثلاث المتبقية، وسيكون عليها وعلى نتائجها أن ترسم ملامح السباق المبكر نحو عام 2028، حيث سيجد الحزبان «الديمقراطي»، و«الجمهوري»، نفسيهما مضطرين للتفكير في بدائل تتناسب مع أميركا الجديدة التي أعاد ترمب تشكيلها، سواء من خلال القرارات التنفيذية، أو من خلال تغيير قواعد اللعبة السياسية التي كانت تحكم واشنطن لعقود طويلة.
