مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

هو حضرتك حرامي؟!

استمع إلى المقالة

انتشر تصوير فيديو بين الناس، لسيّدة مصرية تُطلُّ من نافذة منزلها في حارة شعبية على «بلكونة» الجيران، لتشاهد رجلاً يتسلّقُ «المواصير»، رأته السيدة بدهشة ثم سألته بكل تهذيب وصوتٍ خفيض: «هو حضرتك حرامي!؟».

الشخص «المتشعلق» بالمواصير ظهر في حالة ارتباك واضحة، قبل أن يحاول نفي الأمر قائلاً: «لا... مفيش حاجة»، ثم قفز إلى سطح إحدى السيارات أسفل العقار وفرّ هارباً من المكان.

لم يتمّ التحقّق من صحة المقطع أو إذا ما كان الصوت المسموع حقيقياً أو مركباً على الفيديو بالذكاء الاصطناعي.

لكن كل هذا بالنسبة لي ليس هو الموضوع، فالموضوع هو هذا التضادّ الصارخ بين «منهج» السيّدة الذي لم تتخلَّ عنه مع مشهد آتٍ من عالم الفوضى والعبثية وانهيار الضوابط، والانفلات، هذا المشهد البلاغي في صورة رجل يتسلّق بعبثية ووقاحة على حرمات وخصوصيات الآخرين، بغرض السرقة كما هو واضح.

يقابله مشهد إنسانة منضبطة مُهذّبة، لم تترك منهجها وتنحدر للمنهج الثاني، بل من موقعها ومن عالمها، خاطبت الآخر بأسلوب عالمها لا أسلوب عالمه الفوضوي المتفلّت «البذيء». هذا هو الانتصار الحقيقي، وتلك هي القوّة الحقّة.

ولأنها سيدة مصرية في حارة من حواري البلد وأخلاق أبناء البلد، كما يُقال دوماً في الثقافة المصرية، هذه الأخلاق التي يكون فيها للفضيلة مكان جوهري مِعياري، يحسنُ أن نقتطف من ثمار التراث الأخلاقي لنا هذه القطوف:

في صحيح البخاري أن الرسول الكريم، عليه الصلاة والسلام، قال للسيدة عائشة: «يا عائشة، إنّ شَرّ الناس من تركهُ الناسُ اتقاءَ فُحشهِ». في الحديث النبوي الذي رواه الترمذي في جامعه: «ليس المؤمنُ بالطَّعَّانِ، ولا اللَّعَّانِ، ولا الفاحشِ، ولا الْبَذِيء».

وفي الحديث النبوي الرفيع الآخر، الذي رواه الترمذي أيضاً: «ما كانَ الْفُحْشُ في شيءٍ إِلَّا شانَهُ، وما كان الحَيَاءُ في شيءٍ إِلَّا زَانَهُ».

وفي الأثر أن الصحابي أبا الدرداء رأى امرأةً سليطةَ اللّسان، فقال: لو كانت هذه خرساء، كان خيراً لها».

استحضار مثل هذه الوصايا، والتركيز على مثال السيّدة المصرية المُهذّبة في لحظة امتحان للتربية، من الضرورات الدائمة، ونحن نرى «تطبيع» البذاءة والفجور في الخصومة، بل البذاءة، لمجرد البذاءة في أسواق السوشيال ميديا، بل الميديا العادية.

القوّة الحقيقية أن تكون كما أنتَ وفيّاً لتربيتك ومُدوّنتكَ الأخلاقية، مهما بلغ إغراء الشتيمة وشهوة البذاءة.