د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

عجز الفصول الدراسية

استمع إلى المقالة

أعلنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا الشهر نتائج اختبارها الدولي «بيزا»، الذي تقيس به دورياً ما يعرفه طلاب الخامسة عشرة في القراءة والرياضيات والعلوم. وقد شارك في هذه الدورة أكثر من 700 ألف طالب من 91 بلداً، فكانت عيّنة هذه الدورة هي الأوسع منذ انطلاق الاختبار قبل ربع قرن. ولكن النتيجة كانت الأسوأ أيضاً؛ إذ سجّلت دول المنظمة أدنى متوسط في تاريخها في المواد الثلاث معاً. وقد مرّ الخبر سريعاً بوصفه شأناً تربوياً يعني وزارات التعليم وأولياء الأمور، ثم طوته أخبار الأسواق والحروب. هل ما يحدث في الفصل الدراسي اليوم يحدد حجم الاقتصاد غداً؟

البداية بحجم ما حدث، فبعيداً عن لغة الدرجات التي قد لا تعني القارئ شيئاً، يقدّر معدّو الاختبار ما يكسبه الطالب من تعلّم في سنة دراسية واحدة، وبهذا المقياس يتأخر طلاب اليوم في القراءة عن نظرائهم قبل ثلاث سنوات فقط بنحو ثلثَي سنة دراسية، وعن نظرائهم قبل عقد بنحو سنة ونصف السنة. بعبارة أخرى، يجلس ابن الخامسة عشرة اليوم في الصف نفسه الذي جلس فيه من سبقه، لكنه يقرأ كما كان يقرأ من هو أصغر منه بعام ونصف العام. وفي العلوم، لا يبلغ طالب من كل أربعة الحد الأدنى الذي يتيح له فهم تفسير علمي بسيط. ولم يكن التراجع قدراً على الجميع، فدول مثل سنغافورة واليابان وإستونيا بقيت في الصدارة، وهو ما يعني أن ما يجري ليس موجة كونية لا تُرد، بل نتيجة خيارات من الدول.

ويُطرح سؤال هنا: كيف يقاس الأثر الاقتصادي لاختبار مدرسي؟ ويأتي الجواب من الفرد، فما يتعلمه المرء في المدرسة ليس معلومات يحفظها ثم ينساها، بل قدرة على الفهم والتعلم يحملها إلى كل وظيفة يشغلها، وسوق العمل يدفع ثمن هذه القدرة أجراً أعلى عاماً بعد عام. وحين أغلقت الجائحة المدارس، حسب الاقتصادي إريك هانوشيك من جامعة ستانفورد تكلفة ما ضاع، فوجد أن خسارة ثلث سنة دراسية تخفض دخل صاحبها طوال حياته العملية بما يقارب 3 في المائة. قد يبدو الرقم صغيراً، لكنه على امتداد أربعين عاماً من العمل، يعادل أن يعمل المرء سنة كاملة بلا أجر. والتراجع الذي كشفه الاختبار الأخير في القراءة يبلغ ضِعف ذلك، ثم ينتقل الحساب من الفرد إلى الأمة. وهناك حالات غيّرت نظرة الاقتصاديين إلى التعليم؛ فقد ظلّت الدول عقوداً تقيس تقدمها التعليمي بعدد السنوات التي يقضيها أبناؤها في المدارس، حتى حيّرت أميركا اللاتينية الباحثين: سنوات دراسة لا تقل كثيراً عن غيرها، ونمو اقتصادي متعثر لعقود. وجاء التفسير حين نُظر إلى ما تعلّمه الطلاب فعلاً لا إلى المدة التي جلسوها، فتبيّن أن ما يفسر الفارق بينها وبين شرق آسيا هو ما في العقول لا ما في السجلات. وبتقدير هانوشيك، فإن خسارة ثلث سنة من التعلّم تكلّف الدولة جزءاً من ناتجها كل عام حتى نهاية القرن، بما يعادل أن يعمل الاقتصاد كله خمسة أيام من كل سنة بلا مقابل.

وفي هذا العام، أعاد كيرابو جاكسون من جامعة نورث وسترن الاختبار ببيانات أحدث، فوجد أن درجات الطلاب في نحو خمسين دولة عام ألفين تنبأت بنمو اقتصاداتها في ربع القرن الذي تلاه. إنها الفائدة المركّبة التي يعرفها كل مدّخر، لكنها تعمل هنا بالمقلوب: ما يضيع في الخامسة عشرة لا يبقى على حجمه، بل يكبر مع صاحبه، ومع بلده، عاماً بعد عام.

والفاتورة اليوم أكبر مما كانت عليه في أي وقت مضى؛ فالآلة تأخذ من الإنسان أعماله الروتينية واحداً بعد آخر، وما يتبقى له هو ما يتطلب فهماً أعمق وحكماً أدق، ومن لا يقرأ بعمق لن يستطيع أن يحكم على ما تكتبه له الآلة، فيصير تابعاً لها لا مستخدماً. أما أسباب التراجع فموضع جدل؛ يتهم كثيرون الهاتف، لكن الدول التي صمدت في يد أبنائها الهواتف نفسها، وهو ما يشير إلى أن الفارق الحقيقي في المدرسة لا في الجيب.

ومن الإنصاف ألا يُحمَّل الاختبار أكثر مما يحتمل؛ فهو يقيس ثلاث مهارات لا التعليم كله، ولا يرى ما تغرسه المدرسة من قيم وانتماء، وقد صممته منظمة تنظر إلى الطالب بعين سوق العمل، والعلاقة بين التعلّم والثروة قد تسير في الاتجاهين، فالدول الغنية أقدر على شراء تعليم أفضل، وليس سهلاً فصل السبب عن النتيجة، ثم إن الولايات المتحدة ظلت عقوداً متوسطة النتائج في هذه الاختبارات، وبقيت مع ذلك أغنى اقتصادات العالم؛ لأنها عوّضت بجامعاتها، وبعقول استقطبتها من الخارج، وبأسواق تموّل الأفكار. فالدرجات - إذن - شرط مهم للازدهار وليست شرطه الوحيد، غير أن التعويض عنها ترف لا تملكه إلا قلة من الدول.

والمفارقة أن الدول حين تعلن عن عجز ميزانياتها كل عام، تهتز له الأسواق، ويُساءل الوزراء، وتُخفَّض بسبب ذلك التصنيفات، أما عجز فصولها الدراسية فيُعلن كل بضع سنوات، ويمر خبراً عابراً في صفحة التعليم، مع أنه الأطول أثراً والأصعب سداداً؛ فعجز الميزانية يُغطى بقرض، وعجز التعلّم لا يقرضه أحد. وإذا كانت ثروة الأمم تُصنع في فصولها قبل مصانعها، فإن السؤال الذي يبقى للقارئ: أيّ العجزين أولى بالقلق؟