سام منسى
إعلامي لبناني قدم لعدة سنوات برنامجا حواريا سياسيا في قناة الحرة. المدير العام لإذاعة "صوت لبنان" سابقا والمدير التنفيذي السابق لـ"بيت المستقبل"، وكاتب عمود في "الشرق الأوسط". مهتم بجمع ومعالجة البيانات المتعلقة بشؤون الشرق الأوسط، خصوصاً الجوانب السياسية والاجتماعية للتنمية العربية.
TT

أميركا لم تستثمر هزيمة إيران

استمع إلى المقالة

ترى الإدارة الأميركية أنها انتصرت في الحرب مع إيران، لكن هذا عزَّز الانطباع السائد، خاصة في غالبية وسائل الإعلام، بأنَّ واشنطن لم تحقق أهدافها بعد، لا سيما أن المواجهة لا تزال مستمرة بأشكال مختلفة.

لا يعني ذلك أن إيران انتصرت، في ضوء الخسائر الهائلة التي تكبدتها، والتي يصعب تقديرها بسبب شح المعلومات والتعتيم. فقد دُمّرت منشآت عسكرية ونووية وحيوية، وتضرَّرت قدراتها الصاروخية والبحرية، وقُتل عدد كبير من قياداتها، وفاقمت العقوبات والحصار تدهور الأوضاع المعيشية. لذلك، فإنَّ ما يردده مسؤولو النظام وإعلامه ووكلاؤه عن «النصر» ليس سوى مكابرة يدفع ثمنها شعب أنهكته الحرب والعقوبات والقمع. لكن كيف استطاعت إيران تسويق نفسها طرفاً منتصراً؟ ولماذا يمكن أن يُقدَّم وقف الحرب، إذا حصل، بوصفه تراجعاً أميركياً، مع أن ميزان القوة والخسائر ينفيان ذلك؟

تبدأ الإجابة من واشنطن نفسها. فقد خاضت إدارة دونالد ترمب الحرب من دون تعريف دقيق للنصر. وأعلنت أن أهدافها تدمير القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية، وقطع إمدادات طهران إلى وكلائها، ومنعها من امتلاك سلاح نووي. لكنها لم تحصّن الوضع الإقليمي بمسار سياسي يعالج أزماته، ولم تحدد آلية تضمن عدم إعادة بناء قدرات طهران. فإذا كان قياس النتائج العسكرية بعدد المواقع والصواريخ والسفن المدمرة، فإنَّ منع إيران نهائياً من امتلاك سلاح نووي، وإنهاء نفوذها الإقليمي وتسليح وكلائها، يتطلب اتفاقاً قابلاً للتنفيذ، ونظام رقابة وترتيبات أمنية إقليمية، ودولاً حليفة قادرة على حماية النتائج. وهذا ما لم تنجزه واشنطن بعد.

أعلنت الإدارة الأميركية في أبريل (نيسان) أن العمليات الكبرى حققت أهدافها خلال 38 يوماً، وأن إيران وافقت على وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز. لكن استمرار النزاع وتعذر التسوية كشفا أن إعلان النصر كان سابقاً لأوانه. ومع انصراف الجهود الأميركية إلى فتح مضيق هرمز، وربما لاحقاً تأمين باب المندب، تقلصت أهداف الحرب إلى ضمان حرية الملاحة. كل هذا كشف عن غياب استراتيجية أميركية واضحة لنهاية الحرب. فما هدف الولايات المتحدة: تعطيل البرنامج النووي أم تدمير الصواريخ؟ أم إنهاء شبكة الوكلاء أم تغيير سلوك النظام أو إسقاطه؟ أم تأمين الممرات البحرية؟ وهل يمكن تحقيق ذلك كله بالقصف وحده؟

يستند تسويق حلفاء إيران وبعض وسائل الإعلام بوصفها دولة منتصرة إلى اختلاف معيار النصر لدى الطرفين. فواشنطن تحتاج إلى حرب سريعة تحقق أهدافها المعلنة، وتنتج إنجازاً واضحاً يمكن تسويقه داخلياً، فيما تراهن طهران على إطالة المواجهة ورفع تكلفتها، ونقل آثارها إلى حلفاء واشنطن وأسواق الطاقة. وهكذا يتحول عجز واشنطن عن تحقيق نتيجة سياسية حاسمة إلى مادة للدعاية الإيرانية، حتى لو خرجت إيران من الحرب محطمة ومستنزفة.

وانعكس كل هذا على قضايا أخرى، فخطة غزة متعثرة، والمسار الفلسطيني متوقف، ولبنان عالق في مفاوضات لا توقف الاعتداءات الإسرائيلية ولا تعالج سلاح «حزب الله». ويبقى العراق واليمن ساحتين لنشاط الميليشيات والحروب بالوكالة على دول الخليج، في ظل اضطراب مسارات الطاقة والممرات البحرية. فالحليف لا يقيس النجاح بعدد المنشآت الإيرانية المدمرة، بل بمقدار ما أصبح أكثر أمناً بعد الحرب.

الحقيقة أنَّ هزيمة المشروع الإيراني لا تتحقق بضرب مركزه فقط، بل بإغلاق الساحات التي يتمدد عبرها، وهنا يظهر خطأ ترتيب الأولويات التي من ضمنها تجفيف موارد الميليشيات التي عادت وانتعشت، ومعالجة القضية الفلسطينية التي تستثمرها طهران على مدى عقود. وما إلى ذلك من قضايا.

يضاف إلى ذلك الانقسام الداخلي الأميركي والاصطفاف الذي طاول الثقة بالمؤسسات والقضاء والإعلام والانتخابات، وجعل الحرب جزءاً من الصراع حول ترمب: يسوقها مؤيدوه نصراً، فيما يراها خصومه امتداداً لطريقته في الحكم. وتعكس وسائل الإعلام الأميركية، وجانب من الإعلام الأوروبي، هذا الاستقطاب، مستندة إلى الفجوة بين إعلانات الإدارة ونتائجها.

كما فُتحت جبهاتٌ أخرى شتتت التركيز على إيران، فالتوتر مع كندا والدول الأوروبية وحلف «الناتو»، وحرب الرسوم الجمركية، والخلاف حول أوكرانيا، والتهديدات المتعلقة بغرينلاند، أحدثت ردود فعل سلبية. وعندما تخوض دولة عظمى حرباً إقليمية معقدة، تصبح علاقاتها بحلفائها جزءاً من ميزان القوة، لا شأناً هامشياً.

إيران لم تنتصر. إنها دولة مثخنة بالخسائر، يسوّق نظامها بقاءه انتصاراً. لكن واشنطن التي امتلكت القوة اللازمة لإلحاق هزيمة عسكرية بها، لم تمتلك سياسة تستثمر هذه الهزيمة في تسوية تحمي الحلفاء، وتبني نظاماً إقليمياً أكثر استقراراً. وبين خسارة إيران وارتباك أميركا، نشأ الفراغ الذي تسوّق طهران أنها ملأته بانتصارها.