أمير طاهري
صحافي إيراني ومؤلف لـ13 كتاباً. عمل رئيساً لتحرير صحيفة «كيهان» اليومية في إيران بين أعوام 1972-1979. كتب للعديد من الصحف والمجلات الرائدة في أوروبا والولايات المتحدة، ويكتب مقالاً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» منذ عام 1987.
TT

إيران... الغياب المؤلم لـ«الآغا»

استمع إلى المقالة

هل انتهت الحرب التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران ولم يتبقَ منها سوى الصخب والصراخ؟ فيما يتعلق بالحرب التي بدأتها الجمهورية الإيرانية عام 1979، فإن الإجابة هي: كلا. فقد بنى النظام الذي أسسه آية الله الخميني شرعيته حول ادعاء محاربة «الشيطان الأكبر» وتابعه «الأصغر». ولقد أدرك جميع رؤساء الولايات المتحدة تقريباً تلك الحقيقة. وكان كل ما حاولوا تحقيقه هو إطالة أمد النسخة الفاترة من تلك الحرب، على أمل أن يحدث تغيير في النظام في يوم من الأيام، ولا أحد يعلم متى.

وَيُعد ترمب أول رئيس أميركي يعتقد أن التغيير المنشود قد يكون قابلاً للتحقيق خلال فترة ولايته. ولهذا السبب تحديداً، وبمفارقة غريبة، ربما يكون قد أخّر ذلك التغيير دون قصد باستراتيجيته المتقلبة. وللمرة الأولى منذ 48 عاماً، تتناول بقايا القيادة الخمينية إمكانية تغيير النظام بجدية، وتحاول التعامل معها. ويُحذر علي ربيعي، وهو خبير مخضرم من داخل النظام، قائلاً: «علينا أن نركز على الجبهة الداخلية». وهو يقصد بذلك ما يُشار إليه من قبل رئيس المجلس الإسلامي محمد باقر قاليباف بـ«الشارع».

إن المرحلة الأخيرة من الحرب الممتدة لـ47 عاماً قد أضعفت النظام إلى الحد الذي يجعله يخشى من أن إنهاء الأعمال العدائية قد يشعل الشارع من جديد. لقد تشكل مزيج من المشاكل المتفاقمة؛ إذ فقد أكثر من 4 ملايين شخص وظائفهم، وأفلست آلاف الشركات والأعمال التجارية. وتعترف الحكومة بأن أكثر من 5000 مشروع عام، قد صارت قيد التجميد لقلة الأموال أو عدم توفر الكوادر اللازمة للإشراف عليها.

ويقول الرئيس مسعود بزشكيان إنه لا توجد أموال كافية لاستيراد النفط من الهند، مما أدى إلى نقص بنسبة 15 في المائة قد يؤدي إلى توقف مئات الآلاف من المركبات، بما في ذلك المركبات العسكرية. (فقد أنفق النظام أمواله على بناء الأنفاق لإخفاء مقذوفاته بدلاً من بناء المصافي لمعالجة نفطه الخام). ومما يزيد الأمر سوءاً بالنسبة للقيادة الحالية، أن النظام قد فقد السيطرة على السردية السياسية؛ إذ يبدو أن السردية الداعية إلى العودة إلى عصر ما قبل الثورة والنظام الدستوري للحكم أضحت في صعود وهيمنة.

وقبل أكثر من عام بقليل، حذر «المرشد الأعلى» حينها آية الله علي خامنئي من أن العودة إلى الحكومة الدستورية («المشروطة» باللغة الفارسية) تشكل تهديداً خطيراً للجمهورية الإيرانية. وفي أغسطس (آب) 2025، أُلقي القبض على العشرات من الناشطين بتهمة تنظيم فعاليات مرتبطة بـ«الثورة الدستورية» عام 1906.

ولكن في الشهر الحالي، أصدر بزشكيان نفسه بياناً مطولاً أشاد فيه بنظام «المشروطة» الذي كان ملعوناً في السابق؛ مما أعطى الضوء الأخضر لسلسلة من الفعاليات في جميع أنحاء إيران، حيث قطعت بعض الجامعات عطلتها الصيفية لإحياء الذكرى المائة والعشرين للثورة الدستورية.

ويمكن إغفال كل ذلك باعتباره مجرد إشادة وثناء زائف تقدمه الرذيلة للفضيلة، أو حيلة سياسية رخيصة من قِبل سياسيين لا يملكون أدنى دراية. ومع ذلك، فإن تسليط الضوء على سردية بديلة يكتسب أهمية حاسمة؛ لأن المجتمع، شأنه شأن الطبيعة، يمقت الفراغ؛ فالناس يريدون أن يطمئنوا إلى أنهم بإنهاء الوضع الراهن لن يقفزوا في غياهب المجهول ورؤوسهم إلى الأسفل دون تفكير.

لقد أسفر القضاء على خامنئي الأب عن خلق فراغ لا يستطيع خلفه المختار «مجتبى» تغطيته، ولو لأسباب مادية فقط. فقد كان علي خامنئي خبيراً بأسلوب «ماديسون أفينيو» في العلاقات العامة والترويج الذاتي. وعلى غرار ترمب، كان يرغب في تصدر عناوين الأخبار باستمرار، ورغم أنه نادراً ما كان يغامر بالخروج من «بيته»، فإنه كان دائماً حاضراً في الأنباء؛ ففي يوم يستقبل الشعراء، وفي يوم آخر يلقي كلمة أمام «المؤذنين» القادمين من جميع أنحاء البلاد. وكان كبار الشخصيات الأجنبية وقادة «محور المقاومة» يتصنعون الوقوف في طوابير لالتقاط الصور معه.

وفي الأيام الأكثر هدوءاً، كان يرسل برقيات إلى هذا الملا أو ذاك من الشخصيات العامة لتقديم التعازي في مصاب، أو للتربيت على الأكتاف ثناءً على نجاح حقيقي أو وهمي في خدمة النظام. وفي أيام الجمعة، كان نحو 5000 خطيب يعملون كأبواق لسيدهم في جميع أنحاء إيران يقرؤون النص الذي أملى عليهم إياه خلال صلاة الجماعة. كان «البيت» بمثابة أخطبوط عملاق تمتد أذرعه في جميع الاتجاهات؛ فلم يكن يُسمح للقادة العسكريين بعقد اجتماعات بمفردهم حتى في لقاءات غير رسمية يُقدم فيها عصير البرتقال. وكان بوسع «البيت» استدعاء أي مسؤول، بما في ذلك رئيس الجمهورية، لإطلاعه على التطورات أو إعطائه التوجيهات والتعليمات.

وكان خامنئي يُلقب بـ«الآغا» على سبيل التودد، وكان له ممثلوه الشخصيون في كل وزارة، وفرقة عسكرية، وشركة عامة كبرى، وحتى في السفارات في أكثر من 40 عاصمة. وبعد أن أنشأ أكثر من عشرة «مجالس»، يرأس كلاً منها أحد أتباعه ومريديه، حرص خامنئي على ألا تتحرك حشرة على ورقة شجر دون علمه، كما يقول الشاعر الفارسي.

ومع غياب «الآغا»، دخلت تلك المجالس في حالة من الأفول والغياب قد لا تنتهي أبداً؛ إذ لم يعقد كل من: مجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس التقريب بين المذاهب الإسلامية، ومجلس الصحوة الإسلامية، ومجلس محور المقاومة، والمجلس الاستراتيجي للسياسة الخارجية، والمجلس الأعلى للأمن القومي، ومجلس خبراء القيادة، أيَّ جلسة منذ اغتيال «الآغا» على يد الإسرائيليين. وحتى المجلس الإسلامي (البرلمان الصوري) لم يعقد جلسة كاملة منذ أشهر، في ظل انشغال رئيسه بصراع على السلطة. كما أن بعض أذرع الأخطبوط قد فقدت رؤوسها أو عدداً من شخصياتها الرئيسية في عمليات «تصفية» نفذتها إسرائيل أو الولايات المتحدة.

ومما يزيد الوضع سوءاً، أنه في بعض الحالات، رفض الأفراد الذين وقع عليهم الاختيار لشغل المناصب التي خلت جراء فقدان القادة العسكريين أو السياسيين هذه الدعوة بكل أدب. وكان من بين هؤلاء عدد من ضباط الجيل الشاب في «الحرس الثوري» الإسلامي، الذي يخضع الآن للتكهنات والشائعات حول اندماجه مع الجيش النظامي، وهو المخطط الذي أُعد عام 1999 ولكن اعترض عليه «الآغا» واستخدم ضده حق الفيتو.

وفي ظل حكم «الآغا»، وبواسطة استثناء أو استثناءين اثنين على مدى 4 عقود، لم يُسمح لأي مسؤول عسكري أو سياسي كبير بالاحتفاظ بمنصبه لأكثر من عقد من الزمان. وتكمن العلة غير المعلنة لذلك في أنه في نظام يظل مركزه ثابتاً إلى الأبد، ينبغي أن تتغير كواكبه وأقماره التابعة خلال فترات زمنية محدودة ومحددة. واليوم، وبحسب أدق التقديرات، فإن مناصب ما لا يقل عن 20 حاكماً إقليمياً من أصل 31، وأكثر من 20 سفيداً وسفيراً، وما لا يقل عن 100 قائد عسكري وأمني بحاجة إلى الشغل والملء؛ إما بسبب انتهاء فترات ولايتهم التقليدية، وإما بسبب «تصفية» شاغليها.

لقد استغرق الأمر من «الآغا» 30 عاماً لتصميم وبناء نظام يناسبه؛ وحتى لو ضاعف جهوده، فلن يكون بمقدور مجتبى بناء «بيته»، ناهيكم عن النظام المُشَكَّل حوله. ومن ثم، فإن عبارة «نحن في حالة حرب» تُعد مجرد ذريعة ووسيلة جيدة لإخفاء عجز النظام وفشله.

وبعبارة أخرى، فإن ترمب - أو من يستشيره - قد يساعد مجتبى، أو من يلعب دوره، من خلال إطالة أمد هذه الحرب الوهمية الغريبة، على إبقاء «الشارع» هادئاً بدافع من الوطنية الزائفة والمصطنعة.