مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

من حديث التاريخ بين صنعاء والرياض

استمع إلى المقالة

قبل نحو 90 عاماً وقعت حربٌ كبيرة بين الجيش السعودي وقوات الإمام يحيى حميد الدين، سببها المُباشر دخول قوات يحيى على الحدود السعودية الجنوبية.

بعد إخفاق المفاوضات بين الرياض وصنعاء، بين الملك عبد العزيز والإمام يحيى، وانعدام الجدوى من الرسائل والرُّسل بين العاهلين، ودخول قوات يحيى إلى نجران، وغيرها؛ أعلن الملك عبد العزيز النفير العامّ، وأطلق قواته السعودية، التي تشكّلت من كل ربوع المملكة، بقيادة نجلَيه سعود في محور نجران، وفيصل في محور الساحل، وقوات أخرى وقادة آخرين من آل سعود وغيرهم، واستمرت 87 يوماً، من 20 مارس (آذار) حتى 14 يونيو (حزيران) 1934، ليكون خاتمتها معاهدة الطائف.

هذه الحرب من أهمّ الحروب التي تجلّت فيها الوحدة الوطنية السعودية، وشارك فيها أغلب أجداد السعوديين اليوم. وللمؤرخ السعودي محمد آل زلفة مزيد عناية بهذه المرحلة، وكتب عنها أكثر من كتاب. يقول إنه صنع دراسة وثائقية لهذه الحرب، اشتملت على أسماء كل المحاربين من كل بلدة وهجرة وقبيلة يمثلون كل أنحاء المملكة. وهي دراسة لطيفة نادرة.

وفي الجانب السياسي الإعلامي لهذه الحرب، صدر كتابٌ نادر في حين الحرب، أمر بإنجازه الملك عبد العزيز، ينطوي على مراسلات ووثائق الحرب، ردّاً على دعايات الإمام ونجله أحمد للصحافة العربية. وصار هذا الكتاب، الذي هو وثيقة رسمية ثرية، في حكم النادر، حتى أعاد آل زلفة نشره من جديد.

من الجانب الأدبي، شكّلت هذه الحرب مُحفّزاً للروح الوطنية الشعرية، فقال فيصل (الملك لاحقاً) بعد أن دخلت قواته ميدي والحُديدة وبيت الفقيه:

يا طارشي يمّ الامام العَود / قِلّه بنينا بالخبوت اخيام

أي: أيها الرسول الذاهب للرياض لملاقاة الإمام الكبير (العود)، أخبره أننا انتصرنا وبنينا خيامنا في تلال وأودية الساحل اليمني.

وبعد هذه الحرب بسنوات قليلة قال شاعر الثورة اليمنية محمد محمود الزبيري، المُلقب بأبي الأحرار، أمام الملك عبد العزيز:

قَلْبُ الجزيرةِ في يمينِكَ يَخْفِقُ / وهوى العروبةِ في جَبينِكَ يُشْرِقُ

وَلَعَمْرُ مَجْدِ المسلمينَ لأَنْتَ في / أنظارِهِمْ أَمَلٌ مُنِيرٌ شَيِّقُ

بالعودة لحرارة الشعر العامّي، هذا شاعرٌ حماسي اسمه عبد الله الصبي، لقبه «مبيلش»، شارك في هذه الحرب، وقال:

وان مشى الجمع دوّرني وتلقانـي

في ذَرا بِيرقٍ رِيمـات يَبـرنْ لـَه

يقول: من يبحث عنّي سيجدني جندياً تحت راية الجيش السعودي وإبله السريعة المعروفة بلقب «رِيمات».

ثم يقول مُحدّداً من هو زعيم جزيرة العرب الحقيقي، وهو عبد العزيز طبعاً:

شيخ كل الجزيـرة طيـر حـورانِ

لو تقولون يحيى قِلـتْ: لا بـا لله!

دُوك يحيى عِقـبْ ذاكَ القِسـا لانِ

وانسحب كِن ما صنعا إبمِلـكٍ لـَه!

والمعنى: الصقر عبد العزيز (طير حوران) هو زعيم جزيرة العرب وليس يحيى، ألم تروا يحيى بعد عناده قد لان، وانسحب من أرض المعركة حتى كأن صنعاء ليست عاصمة ملكه؟!