الأزمة الليبية، المتشابكة الأطراف والتدخلات المحلية والإقليمية والدولية، لا تزال تراوح مكانها، لا جديد يذكر ولا قديم ينتفع به، فلا تزال البعثة الأممية تنقب عن الحل في صحراء ليبيا، في حين التشظي والانقسام السياسي يضربان في أجزاء البلاد. والأخطر من هذا هو أنَّ الزمن يمر بسرعة، والدول تبني وتعمر إلا ليبيا، التي شاءت أن تقف في لحظة 2011، وغدا فيها كل شيء مدمراً.
ولا شك في القول إنَّ التدخل الخارجي السلبي هو الذي أطال عمر الأزمة الليبية، والذي نقل خلافاته الدولية إلى الجغرافيا الليبية، فليبيا بعد إسقاط الدولة ومؤسساتها عام 2011 بحجة حماية المدنيين، تركها حلف «الناتو» لسكاكين «الإخوان» ومنظماتهم المتفرعة لسنوات، ثم عاد إليها عبر سلسلة من المبعوثين الدوليين الذين أغلبهم فشل في مهام سابقة، فلماذا يرسلون أصلاً لأزمة معقدة كالأزمة الليبية. وهكذا غدت ليبيا غارقة في مستنقع الإرهاب والجماعات التي تسللت إليها جرّاء فوضى الربيع العربي، وسقوط الدولة ومؤسساتها، قبل أن ينهض الجيش الليبي ويستعيد الجزء الأكبر من البلاد.
الأزمة الليبية الآن هي انعكاس لانقسامات سياسية داخلية بين تيارات مختلفة، بعضها لا يؤمن بالجغرافيا الوطنية للبلاد، وهذا تيار المفتي المعزول؛ تيار بقايا «جماعة الإخوان المسلمين»، الذي يستخدم ما تحصّل عليه من المال أثناء هوجة الربيع العربي، وتسلله لمراكز السلطة والمصرف المركزي إبان أحداث فبراير (شباط) 2011؛ حيث استطاع أن يحكم لفترة من الزمن نتيجة الشغور السياسي والرئاسي.
الأزمة الليبية بحاجة إلى إشراك الأطراف الحقيقية الممثلة للشعب الليبي، وليس الأحزاب الكرتونية، التي يُعد أغلبها مجرد أرقام لا تتجاوز عدد مؤسسيها، من دون تمثيل شعبي حقيقي، ولا حتى القائمين على السلطة حالياً، وفي مقدمتهم بقايا المؤتمر الوطني منتهي الولاية الشرعية، الذي تحول إلى مجلس الدولة، وأصبح شريكاً في السلطة التشريعية للبرلمان المنتخب. ومن هنا بدأت الخطيئة السياسية، وهي إشراك المنتخب شعبياً مع المنتهي الولاية، وتحول المشهد السياسي الليبي إلى أجسام هجينة أنتجتها اتفاقات سياسية، لا الصندوق الانتخابي، مثل المجلس الرئاسي والحكومة الحاليين، اللذين، حتى بحكم الاتفاق السياسي المنتج لهما، انتهت ولايتهما وشرعيتهما السياسية المكتسبة بحكم اتفاق لم يتفق عليه أغلب الليبيين.
الأزمة الليبية كانت القراءة الخاطئة لها سيدة الموقف، وكانت الحلول المستعجلة وغير المكتملة سبباً في تعقيدها، وجعلها تراوح مكانها ولم تتقدم قيد أنملة، بل تزداد تعقيداً في مسيرها المتعثر في طرق وعرة وشائكة، ومستنقع سياسي يتسع كل يوم. ولهذا غرقت الأزمة الليبية، وغرق معها الليبيون الذين أنهكتهم الحروب والتهجير والنزوح وارتفاع الأسعار وانهيار قيمة الدينار الليبي وغلاء المعيشة، بعد أن كانت ليبيا من أرخص بلدان العالم من حيث تكاليف المعيشة.
الصراع الغربي بين فرنسا وإيطاليا وبريطانيا على الكعكة البترولية الليبية لم يكن بعيداً عن تأزيم الأزمة الليبية وتعقيداتها، خصوصاً أن كل طرف من المتصارعين على البترول الليبي لا يقبل الشراكة مع الآخرين، بل يؤمن فقط بإقصاء الآخر والبقاء للأقوى، رغم محاولات ألمانيا جمع المتصارعين على الكعكة الليبية في «برلين 1» و«برلين 2» و«برلين 3»، و«باريس 1» و«باريس 2»، إلا أنها جميعاً لم تقارب الفجوة بين المتصارعين، رغم إبعاد الجانب الليبي عن الحضور في «برلين 1»، مع أن عنوان الأزمة كان «حل الأزمة الليبية»، لكن واقعها أثبت أنها كانت للمصالحة بين المتصارعين الغربيين في الأزمة الليبية. ولهذا لا يمكن أن يكون الحل إلا ليبيا، وانتظار الحل من الخارج سيكون على حساب أشياء كثيرة، منها فقدان السيادة الوطنية، ورهن الاقتصاد الوطني للخارج.
الأزمة الليبية تنقلت بين محطات كثيرة، وجميعها خارجية، ومع هذا لم ينجح فيها مسار واحد، ما يؤكد أن الحل في الداخل الليبي وليس خارجه، من خلال جمع الأطراف الفاعلة على الأرض مع مكونات الشعب الحقيقية، وهي القبائل، وليس الأحزاب السياسية الكرتونية التي تصر البعثة الأممية على إشراكها، في حين أنها رؤى أشخاص وليست جماعات لديها رؤى سياسية يمكن التعويل عليها في العملية الديمقراطية. فالعملية الديمقراطية ليس بالضرورة أن تكون بوجود الأحزاب، فهي مجرد تجمعات يمكنها المشاركة وإثراء العملية الديمقراطية، إن صحّت أسس تكوينها وتمويلها. ولكن اليوم في ليبيا أكثر من مائة حزب سياسي مجهولة الهوية والتمويل والتبعية، فكيف ستصلح العملية الديمقراطية، ولا حتى السياسية، في ظل مكونات مجهولة الهوية والانتماء؟! بل إن أبرز هذه المكونات الحزبية تنظيماً هو حزب «جماعة الإخوان المسلمين»، وبالتالي، في ظل ضعف باقي الأحزاب، ستكون الغلبة للتنظيم الإخواني الحزبي الذي يجاهر بالبيعة للمرشد والتبعية، ولا يؤمن قادته بالجغرافيا الوطنية للبلاد.
لتحريك الأزمة الليبية من جمودها ومراوحتها ليس بقرع طبول الحرب بين الطرفين الأقوى الآن، بل بجلوسهما وتقاسم السلطة المؤقتة لقيادة انتخابات مقبلة، بعد مماطلة مجلس الدولة والبرلمان والمجلس الرئاسي في تنفيذ الاستحقاق الانتخابي، والتخلص من الجمود السياسي.
